كيف يتحول الأمن السيبراني في السعودية إلى محرك اقتصادي واعد؟

شارك
كيف يتحول الأمن السيبراني في السعودية إلى محرك اقتصادي واعد؟

لم تعد الهجمات السيبرانية مجرد خطر تقني يستهدف الأجهزة والشبكات، بل أصبحت تهدد الاقتصاد بشكل مباشر؛ فقد تؤدي إلى تعطيل المصانع، وتوقف الخدمات المالية، واضطراب سلاسل الإمداد، وتقويض ثقة المستثمرين واستمرارية الأعمال. وفي المقابل، لم يعد الإنفاق على حماية الأنظمة مجرد تكلفة، بل تحول إلى نشاط اقتصادي متزايد يفتح مجالات للاستثمار والابتكار وتوفير فرص العمل.

السياق الاقتصادي والأمني

في المملكة العربية السعودية، تجاوز الأمن السيبراني دوره التقليدي في حماية البنية الرقمية ليصبح قطاعًا استراتيجيًا يجمع بين تعزيز الأمن الوطني ودعم نمو الاقتصاد الرقمي، وهو ما يتماشى مع أهداف رؤية السعودية 2030 لتنويع مصادر الدخل ورفع التنافسية.

يطرح تقرير الهيئة الوطنية للأمن السيبراني، الصادر في 14 أكتوبر 2026، سؤالًا محوريًا: كيف يمكن تحويل الإنفاق على الحماية الرقمية إلى صناعة وطنية تطور منتجاتها، وتمتلك التقنية، وتتنافس على الساحة العالمية؟

حجم السوق والمساهمة في الاقتصاد

كشف التقرير أن حجم سوق الأمن السيبراني في السعودية بلغ نحو 16.3 مليار ريال خلال عام 2025، مع معدل نمو سنوي مركب قدره 10.7% للفترة من 2023 إلى 2025. واستحوذ القطاع الخاص على النسبة الأكبر من هذا الإنفاق، حيث بلغت استثماراته حوالي 11.2 مليار ريال (69% من السوق)، بينما أنفق القطاع العام نحو 5.1 مليارات ريال (31%).

وبالنسبة للمساهمة في الناتج المحلي الإجمالي، فإن القطاع ساهم مباشرة بنحو 9.7 مليارات ريال وغير مباشرة بنحو 10.3 مليارات ريال خلال نفس العام، أي ما مجموعه 20 مليار ريال. وهذا يعادل حوالي 0.42% من إجمالي الناتج المحلي، و0.71% من الناتج المحلي للأنشطة غير النفطية. ويشير التقرير إلى أن حجم السوق (الذي يعكس الإنفاق على المنتجات والخدمات) يختلف عن مقياس القيمة المضافة المستخدمة في حساب contribution إلى الناتج المحلي، لذا لا يجوز جمع الرقمين أو التعامل معهما كإيرادات متطابقة.

التحديات والفرص لبناء صناعة وطنية

أظهرت بيانات وزارة التجارة لشهر سبتمبر 2026 ارتفاع عدد السجلات التجارية لنشاط الأمن السيبراني إلى 11,275 سجلًا، بزيادة قدرها 22% مقارنة بالفترة السابقة. ومع أن السجل التجاري لا يضمن وجود شركة منتجة للتقنية، إلا أنه يعكس اتساعًا تجاريًا يحتاج إلى تحويل إلى منشآت فاعلة تطور حلولًا ذات قيمة مضافة وتستطيع الاستمرار والتوسع خارج الحدود.

من حيث composition of spending، استحوذت المنتجات على 51% من الإنفاق في السوق، بينما شكلت الخدمات 49%. وهذا يطرح سؤالًا عن حصة المنتجات المطورة محليًا ومدى ملكية الشركات السعودية لتقنياتها. الفارق واضح بين جهة تبيع تراخيص تقنية مستوردة وأخرى تطور منتجًا سيبرانيًا خاصًا بها، وتمتلكه، وتحدثه، وتسوقه داخل المملكة وخارجها.

تظل الشراكات الدولية مهمة لنقل المعرفة وبناء القدرات، وتزداد قيمتها عندما تسهم في إنتاج منتجات وطنية، وتأمين حقوق ملكية فكرية، وفتح أبواب تصديرية. وفي هذا السياق، يمكن للشركات الوطنية، وعلى رأسها الشركة السعودية لتقنية المعلومات «سايت»، وكذلك المنشآت الناشئة، أن تدعم بناء صناعة سيبرانية قوية وتعزز المحتوى المحلي.

الكفاءات الوطنية والاستثمار الجريء

وفقًا للتقرير، تجاوز عدد المتخصصين في الأمن السيبراني داخل المملكة 22 ألفًا خلال عام 2025، وشكلت النساء 33% من هذا العدد، وهو معدل أعلى من المتوسط العالمي الذي يقارب 22%. لتحويل هذا المخزون البشري إلى قدرات صناعية، يتعين تطوير التأهيل من مجرد تشغيل الأنظمة وإدارة المخاطر إلى مجالات مثل هندسة المنتجات السيبرانية، وأمن الذكاء الاصطناعي، والتشفير، والبحث والتطوير.

ويبرز هنا دور شراكات الجامعات ومراكز الأبحاث والشركات التقنية لتحويل المعرفة العلمية والمشاريع البحثية إلى منتجات قابلة للتسويق وشركات ناشئة قادرة على النمو.

أما من ناحية التمويل، فقد أظهرت النتائج المعلنة للنسختين الأولى والثانية من «مسرعة الأمن السيبراني» التابعة للهيئة الوطنية للأمن السيبراني استثمارات تجاوزت 27 مليون ريال في الشركات الناشئة، وأكثر من 90 شراكة محلية ودولية، بالإضافة إلى توسع إقليمي وعالمي في 12 دولة. هذه النتائج مشجعة، لكن استمرار تأثيرها يعتمد على قدرة الشركات على تحقيق إيرادات وجذب عملاء جدد بعد انتهاء برامج التسريع.

لذلك، يجب أن يمتد دور رأس المال الجريء من تمويل التأسيس إلى دعم مراحل النمو، خاصة أن صناعة المنتجات السيبرانية تتطلب استثمارات مستمرة في البحث والتطوير، والاختبار، والامتثال، والتحديث.

من السوق المحلية إلى منافسة عالمية

لتعزيز قدرة الصناعة الوطنية على المنافسة عالميًا، تحدد الأولويات رفع حصة المنتجات الوطنية، وزيادة الاستثمار في البحث والتطوير، وتشجيع امتلاك حقوق الملكية الفكرية، وربط المشتريات المؤسسية بالحلول المحلية المؤهلة القادرة على المنافسة، وفتح مسارات عملية إلى الأسواق الدولية.

كما تؤكد الحاجة إلى مؤشرات اقتصادية أكثر تفصيلًا تقيس إيرادات المنتجات المطورة محليًا، وقيمة الصادرات السيبرانية، وعدد الشركات المالكة لتقنياتها، وحجم الاستثمار في البحث والتطوير، وحصة المنتجات الوطنية من إجمالي الإنفاق.

من الضروري التمييز بين توطين تقديم الخدمات وتوطين التقنية نفسها؛ فالأول يوفر وظائف وفرصًا اقتصادية مهمة، بينما يضيف الثاني القدرة على الابتكار والإنتاج والتصدير وامتلاك المعرفة.

الاقتصاد السعودي يمتلك سوقًا متنامية ومنظومة جاهزة سيبرانيًا متقدمة. والفرصة القادمة تكمن في تحويل هذه المقومات إلى شركات منتجة ذات حضور عالمي، ما يضيف إلى دور القطاع الأمني بعدًا صناعيًا واستثماريًا مستدامًا. إذا كان الأمن السيبراني يحمي ثروات الاقتصاد الرقمي اليوم، فإن الاستثمار في صناعته قد يجعله أحد مصادر تلك الثروات غدًا.

أعجبك الخبر؟ شاركه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *