مفهوم الوكيل الذكي وإمكاناته
في جلسة “اختبار الثقة” التي أدارتها لبنى بوظة رئيسة قسم الاقتصاد في سكاي نيوز عربية على هامش اجتماعات المنتدى الاقتصادي العالمي، ناقش المشاركون فكرة “الذكاء الاصطناعي الوكيل” بوصفه الجيل الجديد من الأنظمة القادرة على تنفيذ سلاسل من المهام واتخاذ قرارات متعددة دون حاجة لتدخل بشري مباشر في كل خطوة. وأكد عمر سلطان العلماء وزير دولة للذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي وتطبيقات العمل عن بُعد في الإمارات أن هذه التقنية قد تفتح أمام الاقتصاد قفزة كبيرة في الإنتاجية والكفاءة، لكنها تطرح في الوقت نفسه أسئلة جوهرية حول المسؤولية والرقابة والشفافية عندما تؤثر قراراتها على حياة الأفراد والشركات والمجتمعات.
التحديات التنظيمية والحكومية
حذر دومبا وزير الاقتصاد الرقمي والابتكار في الغابون من أن التشريعات القائمة في كثير من الدول لا تستطيع مواكبة وتيرة التطور التقني المتسارع للذكاء الاصطناعي، ما يخلق فجوة متزايدة بين الابتكار والتنظيم. ودعا إلى تصميم آليات رقابية تُدمج داخل الأنظمة ذاتها، شبيهة بـ”زر التوقف” أو حدود آمنة تمنع النماذج من اتخاذ قرارات قد تؤدي إلى نتائج غير مرغوبة. وشدد على ضرورة وضع قواعد دولية مشتركة تحدد المسؤولية القانونية والأخلاقية للقرارات التي تتخذها الأنظمة الذكية، لا سيما في القطاعات الحيوية مثل الصحة والتمويل والأمن. وأشار عمر سلطان العلماء إلى أن النقاشات داخل الأمم المتحدة ومجموعة العشرين ومجموعة السبع لم تسفر بعد عن توافق دولي شامل بشأن الضوابط اللازمة، وأن التنافس على الريادة في هذا المجال يجعل الوصول إلى اتفاقات عالمية أكثر تعقيدًا، لكنه أكد على ضرورة التوصل إلى اتفاق أدنى بشأن الاستخدامات الأكثر حساسية، وعلى رأسها أنظمة الأسلحة ذاتية التشغيل التي قد تستخدم القوة أو تقتل دون تدخل بشري مباشر.
التأثير على المجتمع وسوق العمل
أوضحت يالدا عوكر الشريك المؤسس والشريك الإداري في Bracket Capital أن انتشار المساعدات الذكية ورفقاء الذكاء الاصطناعي الرقميين يثير أسئلة جديدة حول تأثير هذه التقنيات على النمو النفسي والاجتماعي للأطفال والمراهقين، معتبرة إياهم “الاختبار الحقيقي” لقدرة الشركات والحكومات على تطوير أنظمة آمنة ومسؤولة. وحذرت من أن الاعتماد المفرط على التفاعل مع الأنظمة الذكية قد يولد تحديات اجتماعية وسلوكية طويلة الأمد إذا لم تتم معالجتها مبكرًا، ودعت إلى تبني مبدأ “الأمان منذ التصميم” بحيث تصبح الحماية جزءًا أصيلًا من تطوير النماذج وليس إضافة لاحقة. وفيما يتعلق بسوق العمل، اتفق المشاركون على أن الذكاء الاصطناعي سيغير طبيعة العديد من المهن خلال السنوات القادمة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة المجتمعات على إعادة تأهيل الأفراد وتزويدهم بالمهارات الجديدة المطلوبة. وسلط عمر Sultan العلماء الضوء على مبادرات إماراتية واسعة لتدريب الموظفين والأفراد على أدوات الذكاء الاصطناعي، بهدف تمكين الناس من الاستفادة منها وخلق فرص اقتصادية جديدة، وليس فقط مواكبة التطور التقني.
مستقبل الحوكمة والثقة
خلصت الجلسة إلى أن العالم يقف اليوم أمام لحظة مفصلية في تاريخ التكنولوجيا. بينما يعد الوكيل الذكي بزيادة الإنتاجية ورفع الكفاءة وخلق نماذج أعمال جديدة، تتزايد المخاوف المتعلقة بالشفافية والمساءلة والسيطرة البشرية. وأجمع المشاركون على أن مستقبل هذه التقنية لن يُحدد بقدراتها التقنية وحدها، بل بمدى نجاح الحكومات والشركات والمجتمع الدولي في بناء قواعد حوكمة تضمن أن يظل الذكاء الاصطناعي أداة لخدمة الإنسان، وليس بديلاً عنه. وشدد عمر سلطان العلماء على أن الثقة في الذكاء الاصطناعي يجب أن تنطلق من سؤال أوسع يتعلق بالثقة بين البشر أنفسهم، وأن التكنولوجيا لا ينبغي أن تحل محل الإنسان في القرارات الحساسة، بل أن تكون أداة داعمة له. وكشف عن توجه إماراتي طموح لتوسيع استخدام الوكلاء الرقميين في الخدمات الحكومية، حيث تستهدف الحكومة تنفيذ نحو 50 بالمئة من الخدمات الحكومية الاتحادية عبر أنظمة ذكية خلال العامين المقبلين، بدءًا من المجالات الأقل حساسية مثل الإجراءات الإدارية والخدمات الروتينية، قبل الانتقال إلى وظائف أكثر تعقيدًا، مع إنشاء منظومة رقابية متخصصة تراقب أداء الوكلاء وتوثق قراراتهم وإجراءاتهم بصورة مستمرة لضمان إمكانية تتبع الأخطاء ومراجعة القرارات في أي وقت.






