أعلنت القوات الحكومية اليمنية عن بدء عملية هجومية استراتيجية تستهدف العاصمة صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين المدعومين من إيران. ويأتي هذا الإعلان في ظل حرب مستعرة بين الطرفين، حيث يتهم الحوثيون بشن هجمات متقطعة على منشآت حيوية في الاقتصاد السعودي. وفي هذا الإطار، أجرت فرانس24 مقابلة مع الخبير الأمني والاستراتيجي عمر الرداد، الذي وصف المرحلة الحالية بأنها “معركة كسر عظم” نظراً للفجوات الكبيرة بين أطراف النزاع.
تفاصيل العملية وأهدافها
أكدت السلطات اليمنية الشرعية أن قواتها شرعت في تنفيذ هجوم استراتيجي على صنعاء، التي تقع تحت سيطرة الحوثيين. في المقابل، وصفت وسائل الإعلام التابعة للحوثيين العملية بأنها “عدوان سعودي على صنعاء”. وجاء هذا التطور عقب قرار الرئيس اليمني رشاد العليمي يوم الأحد الماضي بإطلاق عملية عسكرية مدعومة من السعودية بهدف استعادة الأراضي الواقعة تحت سيطرة الحوثيين.
وفي يوم الإثنين، أفاد المتحدث الرسمي باسم القوات الحكومية اليمنية، ماجد عبد الله النزيلي، بأن القوات المسلحة تمكنت من السيطرة على مساحات واسعة في مديرية ذوباب المطلة على مضيق باب المندب، وذلك بعد اشتباكات مع الحوثيين، بدعم جوي سعودي شاركت فيه مئة طائرة مقاتلة. كما أعلن التحالف العسكري بقيادة السعودية عن توجيه ضربات إلى 324 “هدفاً عالي القيمة” ضمن هذه العملية.
خبير استراتيجي يحلل دوافع الهجوم
رأى الخبير عمر الرداد أن هذه العملية العسكرية الواسعة تأتي في سياق حرب سجالية بين الحوثيين والقوات الشرعية اليمنية بمختلف تشكيلاتها وفصائلها. وأشار إلى أن العملية تحظى بدعم من المملكة السعودية التي تتعرض لضربات حوثية تستهدف بشكل خاص المناطق الجنوبية للمملكة، بما في ذلك مطارات ومنشآت مدنية واقتصادية تابعة لشركة أرامكو.
ويرى الرداد أن القيادة اليمنية المقيمة في الرياض تعتبر أن الظروف الحالية مناسبة لطرد الحوثيين، خاصة مع توسعهم العسكري باتجاه المناطق الجنوبية وفرضهم حصاراً على مدينة تعز ووصولهم إلى باب المندب. هذا التوسع دفع السلطات الشرعية وقواتها إلى اعتبار اللحظة مناسبة للانقضاض على الحوثيين.
مصادر تسليح الحوثيين وقدراتهم
أجاب الرداد على أسئلة حول استمرار الحوثيين في ضرب مواقع سعودية بصواريخ بالستية ومسيرات رغم نقص الذخيرة وضعف الداعم الأول عسكرياً بسبب الحرب على إيران. وأوضح أن الحوثيين لا يزالون يمتلكون مخزوناً متراكماً من الأسلحة، خاصة الطائرات المسيرة والصواريخ بمختلف أنواعها، وقد استفادوا من الهدنة التي بدأت في نيسان/أبريل 2022.
وأشار إلى تقارير أمريكية واستخباراتية تحدثت عن ضبط سفن وقوارب كانت تهرب أسلحة للحوثيين عبر البحار. كما تمكن الحوثيون، بمساعدة مستشارين وخبراء من إيران وحزب الله والعراق، من إنشاء ورش ومصانع لتعديل الأسلحة أو تجميعها، إضافة إلى سيطرتهم على أسلحة الجيش اليمني السابق منذ عام 2016.
وتابع الرداد أن هذه الأسلحة ساهمت في بقاء الحوثيين حتى الآن، لكن مسألة الإمداد والتجديد تظل موضع تساؤل، خاصة مع استهداف الضربات الجوية السعودية واليمنية للكثير من مخازن الصواريخ والمسيرات. وأضاف أنه رغم تعرض الحوثيين لخسائر كبيرة ونقص في الذخيرة، إلا أنهم سيظلون قادرين على إطلاق الصواريخ من مناطق جبلية مثل صعدة وعمران، حيث معاقلهم الرئيسية في الجبال والكهوف التي قد تكون بعيدة عن متناول الضربات. وحتى في حال سيطرت القوات الشرعية بشكل كامل وأعلنت تحرير اليمن، لا يمكن استبعاد بقاء بعض الصواريخ والمسيرات التي قد تُطلق من وقت لآخر. وأشار إلى أن الحوثيين يستخدمون صواريخ قصيرة المدى محمولة على الكتف من صناعة صينية، يُعتقد أنها وصلت إليهم عبر إيران خلال فترة الهدنة منذ 2022.
آفاق السلام وتحديات الوحدة
رأى الرداد أنه في ظل السياقات الحالية، من الصعب التوصل إلى حل شامل بين القوات الحكومية والحوثيين. ووصف المعركة بأنها “معركة كسر عظم” تعكس فجوات عميقة بين الطرفين، أبرزها فصل المسار اليمني عن حرب إيران. وأوضح أن الحوثيين لا يستطيعون الإقدام على هذه الخطوة حتى لو كان هناك اتفاق سعودي إيراني.
وتوقع الخبير استمرار المناوشات، لأن الحوثيين، من خلال سيطرتهم على الحكم واحتلال صنعاء وتعاملهم مع اليمنيين، خلقوا وضعاً يصعب معه قبول هذا التنظيم بأيديولوجيته. كما أن اعتمادهم على الإرث التاريخي والعائلي يجعل قبولهم من قبل فئات كبيرة من اليمنيين أمراً صعباً. وأشار إلى أن نجاح الحوثيين بعد انقلاب 2016 جاء نتيجة استقطاب قبائل وشخصيات من المؤتمر الوطني الحاكم آنذاك. لكن التطورات الحالية والحرب الإقليمية ذات المرجعيات الدينية والمذهبية والارتباط بإيران تجعل من الصعب تصور عملية سلام ينخرط فيها الحوثيون.
كما لفت الرداد إلى أن مسألة السلام لا ترتبط بالحوثيين فقط، بل هناك أيضاً القوات الجنوبية والمجلس الانتقالي ومطامحهم الانفصالية، حيث يرغب الكثير من أبناء الجنوب بالاستقلال والعودة إلى دولة اليمن الجنوبي. وأضاف أن هناك فصيلاً آخر مهماً هو جماعة الإخوان المسلمين في اليمن، حيث تثار شكوك حول موقفهم وتنسيقهم السري مع الحوثيين.
وأكد أن الحوثيين جماعة منظمة بمرجعيات أيديولوجية متماسكة بشكل أفضل من قوات الخصوم المتعددة ذات المرجعيات المختلفة، مثل قوات المجلس الانتقالي في الجنوب وجماعة الإخوان المسلمين في الشمال، مما يطرح تساؤلات حول مشاركتهم الحقيقية في الحرب.
وخلص إلى أن مسألة الصلح والسلام لا تزال بعيدة ما لم تظهر وقائع ميدانية جديدة تظهر خسارة أو ابتعاد أطراف محددة. كما أن هناك أبعاداً إقليمية تشمل السعودية والإمارات والدول العربية، وأبعاداً دولية تشمل الولايات المتحدة وأوروبا والصين وروسيا، وكلها تتعامل مع الملف اليمني كورقة صراعية، إضافة إلى اللاعب الرئيسي إيران.






