شهدت سوريا خلال صيف العام الحالي 2026 إلغاء عدة حفلات فنية لفنانين وُجهت إليهم اتهامات بدعم النظام السابق للرئيس بشار الأسد. في مدينة حمص، قام عدد من السكان بنزع لافتات إعلانية ترويجية لحفلات كان من المقرر إقامتها للمغنيين محمد إسكندر وحسام جنيد، وذلك بسبب علاقاتهما السابقة بالنظام المخلوع. وفي وقت لاحق، أصدر بعض هؤلاء الفنانين اعتذارات علنية موجهة إلى الشعب السوري.
احتجاجات في حمص ويبرود تطالب بإلغاء الحفلات
في العشرين من يوليو/تموز الماضي، تجمهر عدد كبير من سكان مدينة حمص الواقعة في وسط سوريا وقاموا بنزع لافتات إعلانية تخص حفلين لفنانين متهمين بدعم نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد. كان من المقرر أن يقدم الفنان اللبناني محمد إسكندر عرضاً في مطعم فندق “ليون بالاس” الكائن في منطقة وادي النصارى بالقرب من حمص. أما الفنان السوري حسام جنيد فكان من المقرر أن يحيي حفلاً في مدينة حمص بالإضافة إلى عروض أخرى في بلدات مجاورة مثل مدينة صدد.
إزاء هذه المظاهرات، أعلنت إدارة فندق ليون بالاس في مساء اليوم نفسه إلغاء الحفل، موضحة أن هذا القرار جاء “احتراماً لمشاعر شعبنا وبهدف الحفاظ على الوحدة والوئام في صفوف المجتمع”. كما أظهرت مقاطع فيديو أخرى نُشرت في اليوم نفسه سكاناً في مدينة يبرود الواقعة شمال دمشق وهم ينزعون لافتات تروّج لحفل آخر للفنان محمد إسكندر.
إلغاء حفل سابق لشادي جميل بقرار من وزارة الثقافة
في أواخر شهر حزيران/يونيو الماضي، كانت وزارة الثقافة السورية قد ألغت حفلاً لمغنٍ آخر هو الفنان شادي جميل، وذلك بسبب دعمه السابق للنظام السابق. كان من المقرر أن يقدم شادي جميل عرضاً في صالة أوبرا دمشق. ويُذكر أن هؤلاء الفنانين الثلاثة قد أعربوا في الماضي عن تأييدهم لنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.
فالفنان محمد إسكندر أصدر في عام 2016 أغنية بعنوان “منموت كبار”، وهي أغنية تشير بوضوح إلى الرئيس السابق، حيث جاء فيها “لن نقبل أبداً شخصاً آخر بخلاف بشار لحكم سوريا”. أما الفنان حسام جنيد فقد أصدر في عام 2013 أغنية بعنوان “يا بشار متلك مين”، التي تضمنت عبارة “يا بشار؟ مين متلك يلي عندك جبهة عالية”، وقد تحولت هذه الأغنية إلى نشيد شعبي لدى أنصار النظام. من جهته، صُوّر الفنان شادي جميل وهو يغني لتمجيد سوريا ويمدح مدينة حلب وبشار الأسد خلال حفل له في فنزويلا عام 2014. وفي ذلك التسجيل المصور الذي تداول على نطاق واسع في السنوات القليلة الماضية، قال الفنان: “الله يحمي سوريا تحت حكمه، أبو حافظ” (وهو اسم مستخدم للإشارة إلى بشار الأسد). وقد عاد هذا المقطع المصور إلى الواجهة مجدداً في الفترة الأخيرة، مما أثار الجدل حول هذا الفنان قبل أن يُتخذ قرار بإلغاء جميع حفلاته في سوريا. وحظيت أغاني شادي جميل بانتشار واسع بين مؤيدي النظام السابق، وساهمت طوال سنوات الحرب الأهلية السورية التي امتدت 14 عاماً في نقل خطابه وتصوراته حول الحرب إلى جمهور أوسع.
ردود فعل الفنانين: استغاثة واعتذار
على إثر إلغاء حفلته، نشر الفنان محمد إسكندر في العشرين من يوليو/تموز الماضي مقطع فيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، توجه فيه إلى رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع، وطلب منه التدخل مؤكداً أن توجهه كان فنياً بحتاً. أما الفنان السوري حسام جنيد فقد قدم اعتذاره للشعب السوري وبشكل خاص لعائلات شهداء الحرب. وفي مقطع فيديو نشره على وسائل التواصل الاجتماعي في الثالث والعشرين من يوليو/تموز الماضي، قال: “أقدم اعتذاراتي لكل المحافظات السورية. أنا لا أساوي شيئاً من دونكم. أنتم من قدمتم لي الحياة وكبرت بفضل حبكم”.
وبعد إلغاء حفله المقرر في شهر حزيران/يونيو الماضي، قدم الفنان شادي جميل أيضاً اعتذاره عن تصريحاته السابقة، قائلاً: “أقدم اعتذاراتي لكل شاب وكل امرأة شابة بخصوص التصريحات التي أطلقتها في حفل في فنزويلا. أقدم اعتذاري لكل أم ولكل أب. سوريا هي أمي. كل فترة أصبحت من الماضي واليوم نحن متفائلون بالمستقبل”.
حمص: مدينة حساسة وماضٍ مؤلم
وأوضح الصحافي أحمد الشمالي من محافظة حمص أن المدينة التي تعد أكبر مدن سوريا وتعرضت لدمار واسع خلال الحرب لا تزال منطقة شديدة التوتر، في ظل استمرار حالة من الاحتقان بين الطائفتين السنية والعلوية التي ينحدر منها آل الأسد. وأضاف الشمالي: “ولد هذا التحرك من غضب بعض السكان من تنظيم مثل هذه الحفلات في هذه المناطق. في مدينة حمص، لا يزال عدد كبير من الأحياء ذات الغالبية السنية مدمرة على نطاق واسع وسكانها لم يتعافوا بعد من سنوات الحرب. والخدمات العامة في هذه الأحياء لا تزال سيئة والبنية التحتية تضررت على نطاق واسع خلال أعوام الثورة. وبالتالي، يوجد شعور بعدم العدل في أوساط السكان عندما يرون بعض الأحياء ذات الغالبية العلوية في مدينة حمص في حال أفضل، بعد أن كانت في منأى نسبياً من القصف، فيما لا تزال عدة أحياء سنية مدمرة وفي بعض الأحيان غير قابلة للسكن”.
وأشار الشمالي إلى أنه على الرغم من ذلك، كثيراً ما تُنظم حفلات موسيقية في مختلف أنحاء حمص تحت حماية قوات الأمن من دون أن تؤدي إلى ردود فعل مماثلة. ففي مدينة وادي النصارى على سبيل المثال، كانت هناك حفلات موسيقية كل أسبوع مرت دون حوادث تذكر. إلا أن مدينة حمص تبقى مدينة حساسة على نحو خاص، بالنظر إلى ما عاشته خلال سنوات الحرب، وفي هذا السياق يجب فهم ما حدث. وأضاف: “أما بخصوص الفنانين محل الجدل، فإن ماضيهم لعب أيضاً دوراً في ما حدث: إذ أنهم مرتبطون بالدعاية للنظام ومواقفهم كانت بوضوح معادية للثورة ومساندة للسلطة السابقة”.
وزارة الثقافة: قرارات صارمة ومرجعية رواندا
ووفقاً لرئيس قسم معاهد الثقافة الشعبية في وزارة الثقافة السورية موسى السويدان، فإن إلغاء هذه الحفلات يندرج في إطار أوامر وزارية صدرت في عام 2025. وأوضح السويدان: “نعتمد على قرار السيد وزير الثقافة الذي تم اتخاذه في العشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 2025، والذي تم إرساله إلى كل الهيئات والإدارات والمراكز ودور الثقافة التابعة لوزارة الثقافة. هذا القرار يمنع تنظيم أحداث أو حفلات موسيقية يمكن أن يشارك فيها أشخاص قاموا في الماضي بتمجيد النظام المخلوع أو قدموا أعمالاً فنية تغطي على جرائمه ضد الشعب السوري أو تنفي حدوثها. وزارة الثقافة تعمل على إعادة إنتاج التجربة الناجحة في رواندا بعد نهاية الحرب الأهلية والإبادة الجماعية في عام 1994، والتي سمحت للبلاد التي كانت تمزقها الانقسامات القبلية بالتحول إلى أحد أكثر بلدان أفريقيا استقراراً وتطوراً وأماناً”.
وأضاف السويدان: “يمكن أن يتعلق الأمر ببعض المطالب (بخصوص تنظيم حفلات موسيقية) التي وصلت إلى مسؤولين مكلفين أو مؤهلين لإمضاء مثل هذه المطالب دون أن يتم فحصها بالشكل المطلوب. اليوم، أصبحت الأمور أكثر صرامة. نأمل في المستقبل ألا يتم الإعلان عن أي حدث يضم أشخاصاً معروفين بتمجيدهم للنظام السابق أو بدعمهم له أو بالتغطية على جرائمه”.





