بعد سنوات من النزوح القسري، بدأت أسر مسيحية سورية في العودة إلى قراها، واستئناف أطفالهم الدراسة في المدارس التي كانت قد صودرت أو تحولت إلى مراكز إيواء خلال الحرب. وتأتي هذه العودة في أعقاب الإطاحة بنظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، مما أتاح إعادة تأهيل المؤسسات التعليمية التي كانت خاضعة لسيطرة النظام السابق.
عودة التعليم إلى قرية قنية
في قرية قنية الواقعة غربي محافظة إدلب، استعادت مدرسة تعود ملكيتها للرهبان الفرنسيسكان دورها التعليمي بعد توقف دام سنوات. وأوضح الأب لوكاس بشرافا، كاهن كنيسة القرية، في حديث لوكالة الأناضول، أن المدرسة خضعت لأعمال ترميم استمرت نحو عامين، وأصبحت جاهزة الآن لاستقبال الطلاب مجدداً. وأضاف: “عاد الحق لأصحابه”.
وكان حزب البعث المنحل قد صادر المدرسة عام 1971، وظل المبنى تحت سيطرة النظام السابق حتى سقوطه. وخلال سنوات الثورة، تحولت المدرسة إلى مركز إيواء للمهجرين الذين فروا من القصف الذي طال إدلب وريفها، واستُخدمت لهذا الغرض مدة عشرة أعوام.
شهادة كاهن عن استعادة الحقوق
أعرب الأب لوكاس بشرافا عن أمله في أن تستعيد المدرسة دورها كمركز للعيش المشترك بسلام والعلم والتنمية. وأشار إلى أن الرسالة الأساسية للرهبان الفرنسيسكان في المنطقة هي ترسيخ المحبة والسلام بين الناس والقرى. ولفت إلى أن المدرسة كانت في السابق مركزاً للعلم والتعليم، وأن عدداً كبيراً من أبناء القرى المحيطة تلقوا تعليمهم فيها. وقال: “بعض المعلمين الذين يدرسون في المدرسة حالياً كانوا في الماضي طلاباً فيها”.
وتابع بشرافا: “نشكر الله على هذه النعمة وعلى هذه الخطوة الجديدة في حياتنا”، معرباً عن أمله في أن تستعيد سوريا أياماً يكون فيها العلم والتنمية والحرية والحقوق مصانة ومُعادة إلى أصحابها. وأكد أهمية المرحلة التي تمر بها المنطقة.
دعوات للعودة من طالب عائد
من جانبه، قال الطالب حنا جلف، وهو من قرية قنية، إنه نزح مع أسرته إلى مدينة حماة بعد اندلاع الحرب، ثم عاد إلى قريته بعد التحرير. وأوضح أنه استأنف تعليمه وحصل على نتيجة جيدة في الصف التاسع، وانتقل إلى الصف العاشر. ووصف الأوضاع العامة في القرية بأنها جيدة، داعياً الأسر الأخرى التي لم تعد بعد إلى العودة إلى منازلها.
يُذكر أن قرية قنية كانت من أبرز القرى المسيحية التي شهدت نزوحاً واسعاً خلال الحرب التي شنها النظام المخلوع على السوريين (2011-2024). وكان يقطن القرى المسيحية في غربي إدلب – الغسانية واليعقوبية والجديدة وقنية – نحو 20 ألف شخص قبل الحرب، لكن القصف المكثف والاشتباكات بين عامي 2013 و2015 أجبر معظم السكان على النزوح، ولم يتبقَّ سوى نحو 500 شخص.
جهود الحكومة الجديدة لإعادة تأهيل المدارس
تسعى الحكومة السورية الجديدة إلى إعادة تأهيل المدارس المسيحية في البلاد واستعادة دورها. وفي 20 سبتمبر/أيلول 2026، أعلن وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح إعادة افتتاح مدرسة “الأرض المقدسة” في منطقة جسر الشغور بريف إدلب، بعد إغلاق استمر نحو 60 عاماً. وقال الصالح في بيان: “هذا المشهد هو جزء من سوريا التي كنا نحلم بها… سوريا لكل أبنائها”.
وتأتي هذه الخطوة ضمن سلسلة افتتاحات مدارس شهدتها محافظة إدلب مؤخراً، في إطار جهود إعادة تأهيل البنية التحتية التعليمية. وكان الثوار السوريون قد تمكنوا في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 من دخول العاصمة دمشق والإطاحة بنظام بشار الأسد (2000–2024)، الذي ورث السلطة عن والده حافظ الأسد (1970–2000).






