السياق الجغرافي لعمان
عبر عن سعادته بعد قراءة ردود وتعليقات عدد من المفكرين والكتاب في دول مجلس التعاون الخليجي، ولا سيما من قطبي المجلس عمان والسعودية، حول مقاله الأسبوعي الذي نشر في جريدة الرؤية يوم الأحد الماضي الموافق 2 أغسطس تحت عنوان “عُمان: قدر الجغرافيا”. أشار الكاتب إلى أن تلك الردود احتوت على مضامين مهمة تستحق النشر نظراً لأهميتها لشعوب الخليج في ظل الظروف الراهنة. لفت إلى أن موقع سلطنة عمان الجغرافي الفريد، الذي لا يضاهيه شيء في المنطقة، يجعلها بديلاً آمناً لسلاسل الإمدادات ودائماً بديلاً عن مضيق هرمز.
ثم بيّن أن البعد الجغرافي لأرض الغبيراء يرتكز على نقطتين أساسيتين لا يمكن الاستغناء عنهما للأشقاء: أولًا، قدرة موانئ الدقم وصحار وصلالة على توفير حلول لوجستية لدول مجلس التعاون والعراق من خلال ربط الموانئ العمانية بالمنافذ والطرق البرية. ثانيًا، إمكانية إنشاء خطوط أنابيب تنقل النفط من السعودية ودول المجلس عبر الربع الخالي إلى صلالة أو الدقم، مع تكليف جهاز الاستثمار العماني بإجراء الدراسة الفنية والمالية وتمويل المشروع عند الحاجة، بالتنسيق مع المستفيدين؛ إذ سيقلل ذلك الاعتماد على مضيق هرمز ويوفر مسارات أكثر أماناً لتخزين النفط ثم تصديره عبر بحر العرب.
الرسالة الداعمة من السعودية
وبالفعل، وصلت رسالة مؤيدة من الأستاذ سالم الغامدي من المملكة العربية السعودية، وتحديداً من مكة المكرمة، تؤيد هذا التوجه الاستراتيجي الذي يحمل أفكاراً خارج الصندوق لمعالجة حصار دول الخليج. بعد التحية، بدأ الغامدي رسالته بكلمات معبرة تخاطب القلوب والعكس، وتعبر عن العلاقات العمانية‑السعودية الأزلية. وأشار إلى أن زيارة جلالة السلطان هيثم لأخيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، كأول زيارة خارجية للسلطان الجديد، تجسد هذا التآخي والتقارب بين القيادتين منذ عقود.
ويقول الغامدي في رسالته التي حملت له العديد من الأفكار النيرة حول معضلة هرمز: «أسعدتني رسالتك، واطلعت على الإنفوجرافيك والمقال المتميز لكم، يا دكتور محمد، “عُمان… قدر الجغرافيا”، وهذا تعليق وقراءة تحليلية، على قدر معرفتي، وتعذرني على اجتهادي في هذه القراءة، تجمع بين البعدين السياسي والاقتصادي لطرحكم الراقي… فالبعد الجيوسياسي (الاستقرار والأمان)، والموقع الجغرافي الفريد للسلطنة، بامتلاكها موانئ استراتيجية خارج مضيق هرمز، يمنحها استقلالية سياسية كبرى، ويجعلها صمام أمان بعيدًا عن التوترات الإقليمية. السياسة العمانية المتزنة تاريخيًا حولت هذه الجغرافيا إلى ممرات آمنة للطاقة، وحفظ أمن الملاحة الدولية، مما يرسخ مكانتها كشريك دولي موثوق وبيئة آمنة جاذبة للاستثمارات.
أما البعد الاقتصادي (الاستدامة والمستقبل)، فإن الأرقام التي أوردتموها (مثل 22 مليار ريال عُماني إجمالي استثمارات، ووجود أكثر من 6 مناطق حرة) تثبت نجاح السلطنة في تحويل الميزة الجغرافية إلى تمكين اقتصادي فعلي، استعدادًا لمرحلة ما بعد النفط. كما أن التركيز على الدقم كمركز عالمي، والمزيونة كبوابة لسوق يضم 43 مليون نسمة، يمثل ذكاءً استثماريًا فائقًا يترجم رؤية “عُمان 2040».
الجغرافيا وحدها لا تصنع مجدًا ما لم تقترن بإدارة حكيمة وتخطيط سليم، كما تفضلتم. وسلطنة عمان اليوم تقدم نموذجًا ملهمًا في كيفية ترويض “الجغرافيا السياسية الصعبة” وتحويلها إلى “ثروة استراتيجية وفرص اقتصادية واعدة”، تجعلها رقمًا صعبًا في معادلة الاقتصاد العالمي الجديد. حفظ الله سلطنة عمان الشقيقة، وبارك في نهضتها المتجددة تحت ظل القيادة الحكيمة للسلطان هيثم بن طارق، وأدام عليها وافر الأمن والأمان والاستقرار والرخاء. كما أسأل الله العلي القدير أن يحفظ بلادي الغالية المملكة العربية السعودية، ويديم عزها وريادتها في ظل خادم الحرمين الشريفين وسمو سيدي ولي العهد الأمين، وأن يجمع بين بلدينا وشعبينا دائمًا على الخير والمحبة والشراكة المستدامة.
والشكر موصول لكم، يا دكتور محمد، على هذا الطرح الفكري النير والتحليل الاستراتيجي الراقي. نسأل الله لكم دوام التوفيق والسداد، والنفع برأيكم وقلمكم السيال.»
الرؤية المستقبلية والتحديات
وفي الختام، يجب تذكير الجميع بأن فكرة إنشاء خط أنابيب لنقل النفط السعودي إلى جنوب السلطنة تعود إلى مطلع ثمانينيات القرن العشرين عبر الربع الخالي، كأحد الخيارات الاستراتيجية للمملكة، وذلك لتجنب مخاطر المرور عبر المضيق؛ لكونه يشكل هاجسًا أمنيًا للقيادة السعودية، التي كانت تصدر أكثر من 88% من النفط السعودي عبر مضيق هرمز قبل مارس 2026.
الأكاديمي والباحث المتخصص في الرأي العام والاتصال الجماهيري هو د. محمد بن عوض المشيخي.





