جعل القرآن الكريم الإنسان محور الاستخلاف في الأرض، وأكد أن الله كرم بني آدم، بحيث يشمل هذا التكريم كل إنسان دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو اللون أو اللغة أو الانتماء. كما وضع أسس العدالة والمساواة، وصان النفس والمال والعرض، وبين أن عدم السماح للعداوة بأن يحول دون العدل هو أقرب للتقوى.
وجاءت السنة النبوية لتجسد هذه المبادئ في واقع عملي، فكانت خطبة الوداع إعلاناً خالداً لحرمة الدماء والأموال والأعراض وإقراراً بالمساواة بين البشر، معتبرة حقوق الإنسان تكليفاً شرعياً قبل أن تكون التزاماً قانونياً.
الرؤية الإسلامية لحقوق الإنسان
على الرغم من أن المواثيق الدولية الحديثة ساهمت في تطوير نظام عالمي لحماية حقوق الإنسان، فإن الإسلام سبق إلى إرساء الأسس الأخلاقية والتشريعية لهذه الحقوق من خلال رؤية متوازنة تربط الحقوق بالواجبات، وتوازن بين حرية الفرد ومصلحة المجتمع، وتربط الحقوق بالمسؤولية، والحرية بالعدالة، والسلطة بالمساءلة. ومن هذا المنطلق فإن اليوم الإسلامي لحقوق الإنسان والكرامة الإنسانية لا يقتصر على كونه مناسبة رمزية، بل هو دعوة متجددة لإبراز هذه الرؤية الحضارية، وتعزيز الحوار مع مختلف الثقافات حول القيم الإنسانية المشتركة، وإظهار قدرة المبادئ الإسلامية على المساهمة في معالجة القضايا الحقوقية المعاصرة.
التحديات المعاصرة ودور التكنولوجيا
تكتسب هذه الأهمية المتزايدة في ظل التحولات السريعة التي يشهدها العالم بفعل التقنيات الناشئة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة والتقنيات الرقمية التي تفتح فرصاً واسعة لخدمة الإنسان، لكنها تطرح في الوقت نفسه تحديات غير مسبوقة تتعلق بحماية الخصوصية، ومنع التمييز، وضمان العدالة، وصون الكرامة الإنسانية. ومن هنا تظهر الحاجة إلى بناء حوكمة أخلاقية لهذه التقنيات تستلهم المبادئ الراسخة التي جاء بها الإسلام، مما يضمن أن يظل الإنسان محور التنمية وغايتها، وأن تظل التكنولوجيا وسيلة لتعزيز الحقوق لا سبباً للانتقاص منها.
دور الهيئة الدائمة المستقلة لحقوق الإنسان ومنظمة التعاون الإسلامي
في هذا الإطار تضطلع الهيئة الدائمة المستقلة لحقوق الإنسان بمنظمة التعاون الإسلامي بدور محوري في تجسيد هذه المبادئ باعتبارها المرجعية الحقوقية المستقلة للمنظمة، من خلال دعم الدول الأعضاء، وتعزيز التعاون مع المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، وإعداد الدراسات والتوصيات، وبناء القدرات، وإثراء الحوار مع المنظمات الدولية بما يسهم في ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وفق الرؤية الإسلامية ومواكبة القضايا الحقوقية المستجدة، لا سيما تلك المرتبطة بالتقنيات الناشئة وحماية الأسرة والطفل ومكافحة خطاب الكراهية وتعزيز احترام الكرامة الإنسانية.
وبناءً على ذلك فإن مسؤولية الدول الأعضاء والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها الهيئة الدائمة المستقلة لحقوق الإنسان بمنظمة التعاون الإسلامي، لا تقتصر على الاحتفاء بهذه المناسبة، بل تمتد إلى ترجمة مبادئها إلى سياسات وتشريعات ومبادرات وشراكات فاعلة تعزز حماية الحقوق وتصون الكرامة الإنسانية، وترسخ ثقافة العدل والاحترام المتبادل، مما يجعل هذه القيم واقعاً معاشاً وأساساً للتنمية والاستقرار.
الرسالة التي يحملها هذا اليوم تتجاوز الاحتفاء بمناسبة سنوية؛ فهي دعوة إلى تجديد الالتزام بقيم العدل والرحمة والمساواة، وترجمة هذه المبادئ إلى واقع مؤسسي يعزز حماية الإنسان وكرامته، ويواكب التحديات المتجددة التي يفرضه عالم سريع التحول. وفي عالم تتسارع فيه الابتكارات وتزداد فيه المسؤوليات، تبقى القيم التي جاء بها الإسلام مصدر إلهام لمنظومة حقوقية تؤمن بأن الإنسان هو الغاية الأولى للتنمية، وأن كرامته حق ثابت لا يقبل الانتقاص، وأن صونها مسؤولية مشتركة تتجدد مع كل عصر. ومن هنا فإن اليوم الإسلامي لحقوق الإنسان والكرامة الإنسانية يمثل مناسبة لتأكيد أن الرؤية الإسلامية لحقوق الإنسان ليست جزءاً من تاريخ الحقوق فحسب، بل مشروعاً حضارياً متجدداً يسهم في بناء عالم أكثر عدلاً، ويضع كرامة الإنسان في صميم التشريع والسياسات العامة، ويؤكد أن القيم الإسلامية ستظل قادرة على إلهام مستقبل أكثر إنصافاً ورحمةً للإنسانية جمعاء.





