تشهد الثانويات الفرنسية موجة احتجاجات متصاعدة منذ أيام، تطالب بتحسين ظروف التعليم في ظل نقص حاد في الأساتذة والموارد، وارتفاع درجات الحرارة داخل الفصول الدراسية، واكتظاظ الأقسام بالطلاب. وقد تخللت الاحتجاجات عمليات إغلاق لعدد من المؤسسات التعليمية، ووقعت مواجهات مع قوات الأمن في ضاحية سان دوني الباريسية. ويرى الطلاب أن التفاوت في توزيع الموارد بين المدارس يزيد من معاناتهم، بينما تصر الحكومة على ضرورة عودة الدراسة إلى طبيعتها.
مطالب الطلاب: من اكتظاظ الفصول إلى غياب الدعم النفسي
تقول شيراز (16 عامًا)، وهي طالبة تشارك في الاحتجاجات منذ أسبوع، لفرانس24: “أشارك في عمليات إغلاق المدارس للتنديد بتدهور ظروف الدراسة. أنا أدرس في قسم تخصصي بثانوية ‘سيجير’ بضاحية سان دوني، ويضم 35 تلميذاً. يصعب التركيز بسبب ارتفاع العدد، حتى أن الأساتذة يجدون صعوبة في شرح الدروس”.
وتضيف شيراز: “خلال الصيف، تتجاوز الحرارة في الأقسام 30 درجة مئوية، وفي الشتاء نشعر بالبرد. كما لا توجد أخصائية اجتماعية في الثانوية التي تستقبل يومياً 2000 تلميذ، غالبيتهم يعانون من مشاكل نفسية ومالية وينحدرون من أسر فقيرة”.
وتجددت الاحتجاجات الطلابية يوم الجمعة، بدعوات من تلاميذ المدارس الثانوية للتعبئة ضد ظروف الدراسة، والمطالبة بتعويض الأساتذة الغائبين، وتوفير موارد إضافية.
اتهامات بالتمييز العنصري في توزيع الموارد
في سان دوني، اندلعت شرارة الاحتجاجات من ثانوية ‘بول إيلوار’، حيث حاول بعض التلاميذ إحراق حاويات القمامة لمنع التحاق زملائهم بالأقسام، مما دفع قوات الأمن للتدخل وإطلاق الغاز المسيل للدموع. ثم انتقل المحتجون إلى ثانوية ‘سوجيه’ المجاورة وأغلقوها، رافعين شعارات ضد وزير التربية إدوار جيفري وقوات الأمن، التي طوقت المبنى وأغلقت أبوابه.
وتقول سارة (17 عامًا)، التي شاركت في إغلاق ثانوية ‘سوجيه’: “نشعر بنوع من التمييز العنصري. فلماذا تملك الثانويات الباريسية في الأحياء الغنية كل الإمكانيات والموارد، بينما مدارسنا تفتقر إلى كل شيء؟ لا أفهم كيف يتحدث وزير التربية عن المساواة في الحقوق والواجبات، في حين أن الموارد تذهب دائماً إلى الثانويات الراقية حيث يدرس أبناء المسؤولين السياسيين. نحن لا يصلنا شيء، ولذلك سنواصل احتجاجاتنا”.
وانتقل المحتجون بعد ذلك إلى ثانوية ‘لوكوربيزييه’ في بلدية أوبيرفيلييه، حيث أقدموا على إغلاقها وإحراق حاويات القمامة القريبة. تدخلت قوات الأمن وأطلقت الغاز المسيل للدموع، مما أدى إلى كر وفر مع المحتجين، وقامت قوات الدرك بتوقيف أحد التلاميذ واقتياده إلى وحدة الفرز الأمني. احتشد الطلاب حول المفرزة لمدة ساعة تقريباً قبل إطلاق سراحه.
الطلاب: لا نريد ثورة بل نطالب بحقوقنا التعليمية
ويقول الشاب قسيم، الذي شارك في المسيرة بين ثانوية ‘لوكوربيزييه’ والمفرزة الأمنية: “لماذا هذا العدد الهائل من رجال الأمن؟ نحن لا نريد القيام بثورة أو مهاجمة أي مؤسسة، بل نطالب فقط بحقوقنا وتحسين أوضاعنا التعليمية. كيف يمكنني الاستعداد لامتحانات البكالوريا بهدوء وسط هذا العنف وإنكار الحكومة للواقع؟”.
وتجددت الاشتباكات صباح الجمعة في الثانوية نفسها، حيث أطلقت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع لإخلاء المدخل والسماح للراغبين في الدراسة بالدخول.
وبعد ذلك، قرر طلاب ثانوية ‘لوكوربيزييه’ والثانويات المجاورة مثل ‘ألومبير’ و’هنري فالون’، الالتحاق بثانوية ‘تامبو’ في أوبيرفيلييه لتعميم الاحتجاجات، حسبما قال قسيم.
إغلاق مئات المؤسسات وتوقيفات واسعة
ذكرت وزارة التربية الفرنسية أنه تم إغلاق 11 ثانوية في ضاحية سان دوني حتى عودة الظروف المناسبة للدراسة. وأعلن مدير شرطة باريس باتريس فور حظر التجمعات في محيط 13 مدرسة ثانوية باريسية أخرى. وأكدت وزارة الداخلية توقيف حوالي 2000 شخص يوم الخميس في جميع أنحاء البلاد.
كما أكدت وزارة التربية يوم الجمعة إغلاق نحو 400 مؤسسة تربوية في كامل فرنسا، وطلب وزير التربية إدوار جيفري الاعتماد على التعليم عن بعد في هذه المؤسسات لتمكين الطلاب من متابعة دراستهم. وأحصت الوزارة حوالي 1200 محاولة إغلاق لثانويات في البلاد.
وبخصوص الإصابات، أعلنت الوزارة إصابة حوالي 160 تلميذاً بجروح متفاوتة الخطورة، و65 مسؤولاً في المؤسسات التعليمية بينهم 40 مديراً للثانويات.
الحكومة تتحفظ وحزب اليسار يدعو إلى السلمية
من جانبه، طلب وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان من المدعين العامين تحميل أولياء التلاميذ المسؤولية المدنية في حال تسبب أبناؤهم بأضرار خلال تحركات إغلاق المدارس، بهدف إلزامهم بدفع تكاليف الإصلاحات.
وتقول الحكومة الفرنسية إن الاحتجاجات غير مسؤولة بشكل عام، معترفة بوجود صعوبات في المدارس الثانوية يجب معالجتها. وفي رد على اتهامات لحزب فرنسا الأبية (أقصى اليسار) بتحريض الطلاب على الاحتجاج والإغلاق، نفى زعيمه جان لوك ميلنشون مسؤولية الحزب، داعياً الشبان إلى “الالتزام بالانضباط” وعدم اللجوء إلى “أي شيء سوى أساليب النضال السلمية وغير العنيفة”.






