الثقافة في مرمى النقد: غياب الكتب الدسمة وانتشار السطحية

02/08/2026 01:01

مشهد الجدل الثقافي

في جلسة حوارية بارزة، تحول النقاش إلى قضية اجتماعية تشغل المثقف وعامل المعرفة المؤثر في الساحة العامة. تساءل أحد المشاركين عن سبب اختفاء الكتب ذات المحتوى العميق من المكتبات ومعارض الكتب، تلك الكتب التي تسهم في enrichment الفكري وتجديد المخزون المعرفي للبلاد. شعر الحضور بأن الجفاف الثقافي وصل إلى حد دفع القارئ والمهتم إلى حافة الإحباط.

ذكريات وأحاسيس متضاربة

استيقظت الذاكرة الصلبة في تلك الجلسة، وبدأت المجسات تحسّ بالبحث عن مكامن المشاعر وبث الشجن إزاء ما آلت إليه الأوضاع الثقافية إلى درجة البؤس. شعر البعض أن التصحر الثقافي استولى على الساحة، ليحلّ مكان الكتاب المبدعين وهواة الكتابة الفارغة من أي قيمة إبداعية مؤثرة، والتي كانت تُحرك الرأي أو تثير لذة الجمال، وهي الغاية الكبرى من الخلق الفني التي افتقدناها منذ قراءاتنا الأولى مع رواد النهضة مروراً بتلاميذهم وأجيال التسعينات التي أصبحت بدورها رواداً، مقابل هذا الجيل الذي éprouvé خذلاً معرفياً.

قصص متنوعة لأدباء ومثقفين

اتّفق المجتمعون على تجسيد المقصود بأسماء كانت تملأ السمع والبصر، حتى تشتت الحديث باللّغْت والعجن، ووافق الرباعي على الصور المتداولة وثبت المصير الذي آل إليه هذا أوذاك من كتاب جيلٍ دُفن حيث أراد الله له، فكان عبرة، وآخر كان قدوة، وآخر كان حسرة من حسرات الزمان.

الأول يواصل الكتابة والنشر على استحياء، كتاباً dietro كتاب دون أن يأبه بمن يقرأ أو لا يقرأ، آملاً أن تقدره الأجيال وتحترم مقالته، وحينها يرى نفسه بريئاً من التقصير تجاه من يعتقدون أنه مسؤول عنهم.

الثاني أصدر كتاباً وصفه البعض بأنه كبيضة الديك التي تفجرت بين النجوم وسطع، ثم انتظر المتابعون عملاً آخر من القريحة الماسية التي لا تصدأ، لكنه اختفى إلى جحره مثيراً تساؤلات مشروعة: هل هو ذلك المؤلف أم شبح غائر في الظلام؟

الثالث برز بمقالات صاخبة تحمل علامةً مسجلةً له في جريدة رائدة، لأنه يَحْتَاج إليها، فوقعته الأقدار في بداية مسيرته بمنطقة نائية ومجموعة منعزلة، حيث استخرج أثقالها بقصص جديدة وبهارات ذات نكهة مختلف اعتمدتها العامة، ثم اختفى في جبّة ولم يعد، مثيراً أسئلةً مماثلة وصار خبراً من الأخبار.

الرابع استغل مواهبه في الذكاء الاجتماعي فأنفق زمناً طويلاً في ملحق ثقافي، مهما كان اتجاهه أو طعمه، منتظراً ما يسمن، فرآه الآخرون بعد التخلي عن الورق بعقله الحقيقي، فإذا هو رأسٌ بلقع من الزاد وخدعة سجلت وهما ثم تحولت إلى مسخرة أصبحت مثلاً على تهافت مجموعة من الانتهازيين ونموذجاً من الأمثلة المعسَكرة ذات البدل المهيئة والحقائق الكاذبة.

كثيرون آخرون أدركوا أن لا نفع للمثقف ولا حصانة من القلق ولا ضمانات من براكين الأيديولوجيا ولا زلازل السياسة، فاستيقظوا على نتائج انطلاقة الرفاق وبدء الحياة العملية بعيداً عن لغو الثقافة، ووجدوا أنفسهم أمام ديباجٍ مقابل أسمالٍ فقدوا حظهم وبكوا على غفلتهم، وخذلتهم أطرافهم الشّابة عن اللحاق بهم، فحاولوا استدراك ما أمكنهم: بعضهم قنِع بعظمة، وبعضهم عضّ على هَبْرة نتنة، وبعضهم عزّ نفسه وبقي في طرف المجلس يتطلع إلى بودكاست أو منصة لتصفية حساب أو يهجو زمناً رديئاً. والحقيقة المخبأة أن الطيور طارت بأرزاقها.

قصص مؤلمة وانتقادات للسطحية

المرعب في السرد هو تلك القصص التي تحكي عن مثقفين أو مدّعي ثقافة غرقت سفنهم في مجاهل الشهوات: شهوة الوجاهة المخادعة ورغبات شبقة إلى مكبوت قديم، يتطلعون إلى فرص سانحة فلا يتورعوا عن الوضاعة في دور يعيد إليهم رمقاً يروي غلة ظمئت سنوات إلى حلاوة اشتقوها. هذا المشهد في الحديث العابر الصادم جعلهم أحاديث مزقتها المجالس، وبدت وجوههم شائهة تستحي من الغلالة القترة على محياهم، كما لو أنهم ارتكبوا خيانة إزاء القيم والفطرة التي نشؤوا عليها.

وبذلك أصبحت الأوساط التي ينبغي أن تكون نقية ومحايدة علمياً في حالة ركود وهمود، ووجوها باهتة تتجول في المناسبات وتنتظر صورة لا تكذب تفاهتها، وأشدهم من يستعمل هذه الأجواء المعرفية كبريستيج يقدّم من خلاله منتجاً سطحياً، أو يستغلها في ترويج تاريخ مزيف لشيء ما طالما طمرته السنوات، لأنه هامسي وكومة رمل لا يستحق إلا أن يبقى مطموراً في مكانه المجهول، فهو دعاية للزيف وتزوير للثقافة.

الحرية كشرط للثقافة الحية

النتيجة الوحيدة التي يستنتجها هذا الضنك الثقافي وصنّاع الثقافة التجارية هي conviction بأن الحرية ليست رفاهية بل ضرورة للثقافة الحية، ودينامو محرك للإبداع في وجوهه المختلفة: طروحات في كتب، أدب، سينما، مسرح، ندوات وفنون أخرى. البيئة الحرة شرارة للتجريب الفكري capable of “كهربة” كل خطأ ينشأ من أي توجه يضر بمصلحة المواطن وقيمه، وبشكل آلي دون تدخل من أي جهة، وحماية من الرقيب المؤدلج المتواجد في كل مكان بالنيابة عن الله، أو المجتهد الذي يريد الناس على شاكلته، فلا يصح إلا الصحيح.

ولا تتحقق جودة الحياة إلا بعد جودة الفكر عندما تصبح الشاشة الكبرى في السينما وخشبة المسرح العملاقة والتعليم وثراء الكتاب مرآة عاكسة لسيناريو رصين صادق ناضح على نار هادئة من التأمل، لنقلة حضارية تمتد لعقود تنتشل وضعنا من الوهم والخوف والخرافة والضعف والتسطيح.

وللأسف ما انتشر مصطلح (التفاهة) إلا من الوضع الكارثي الذي غطى عقل الجيل الجديد بالضحالة والهشاشة الخالية من العمق، حتى تجنب المثقف الرشيد هذا المستنقع من سخف الطرح وركاكة وجهات النظر، فصَار المجتمع ذو شقين: شق هزلي يديره مشاهير التفاهة، وآخرون كفوا ثيابهم كيلا يلوثها رشق لا تحتملهم مناعتهم الذاتية فيمرضوا.

هذا الوضع لا يمكن تغييره إلا بقرار، ويبقى السؤال مفتوحاً: من أين يصدر القرار؟ ننتظر الجواب من القارئ الكريم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *