لا تقتصر بعض الاستثمارات العابرة للحدود على نقل الأموال من سوق إلى سوق، بل تنطلق من تراكم معرفي وخبرة ميدانية في بيئة جيولوجية معينة، ثم تبحث عن الامتداد الطبيعي لتلك التجربة في جغرافيا أخرى.
لذلك فإن توجه شركة مصفاة الذهب السعودية إلى قطاع التعدين في مصر يتجاوز كونه إعلانًا عن رغبة شركة سعودية في الحصول على تراخيص خارج بلادها؛ فهو يحمل في طياته إمكانية التحول إلى خطوة فعلية نحو تكامل تعديني واستثماري يعبر البحر الأحمر.
توأمة جيولوجية تجمع الضفتين
تتقاسم مصر والسعودية نطاقًا جيولوجيًا بالغ الأهمية هو الدرع العربي–النوبي؛ فالدرع العربي الممتد غرب السعودية والدرع النوبي الواقع في صحراء مصر الشرقية فرعان لنظام جيولوجي موحد، ارتبطت تكويناته بوجود الذهب والنحاس وعدة معادن أخرى.
هذا التقارب الجيولوجي لم يبقَ في الإطار النظري، بل كان حاضرًا بقوة في النسخة الخامسة من منتدى مصر للتعدين 2026، التي عُقدت في 28 و29 سبتمبر 2026 تحت شعار «إطلاق الإمكانات الاستكشافية لمصر والدرع العربي النوبي»، بما يعكس رهانًا على ترجمة الجيولوجيا إلى فرص اقتصادية واستثمارية.
وانتقل هذا المعنى من الجيولوجيا إلى مسار التعاون الثنائي، إذ التقى وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي بنائب وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي لشؤون التعدين خالد المديفر على هامش المنتدى، وبحثا تعزيز التعاون في التدريب وتبادل الخبرات التعدينية، انطلاقًا من المقومات الجيولوجية المشتركة داخل نطاق الدرع العربي–النوبي.
من الخبرة السعودية إلى الصحراء الشرقية
دخول مصفاة الذهب السعودية إلى السوق المصرية لا يأتي من فراغ؛ فالشركة تمارس نشاطها في السعودية عبر سلسلة تبدأ بالاستكشاف والتعدين وتمر بالتكرير والتصنيع والخدمات المرتبطة، وتشمل نحو 40 رخصة تعدينية، حسب ما صرح به رئيس مجلس إدارتها سليمان العثيم.
وهذه الخبرة تتجه اليوم إلى الضفة الغربية للبحر الأحمر.
وقد تقدمت الشركة بطلبات للحصول على سبع رخص تعدينية في مصر، مع تركيز توسعها على الذهب والنحاس، وأعلنت اعتزامها ضخ استثمارات تصل إلى نحو 200 مليون دولار في أعمال الاستكشاف والتعدين بالسوق المصرية بحلول 2030. وكانت الشركة قد ذكرت في وقت سابق أن استثماراتها الأولية في الاستكشاف ستبلغ نحو 10 ملايين دولار، على أن ترتفع تدريجيًا عند الانتقال إلى مراحل الإنتاج والتصنيع.
وفي تصريح آخر على هامش المنتدى، أعلنت الشركة عن خطط لإنتاج نحو 500 ألف أونصة من الذهب في السعودية بحلول 2030.
الاستكشاف ليس اكتشافًا.. ومصر تغيّر قواعد اللعبة
وهنا يستدعي الأمر الوقوف عند فارق جوهري في صناعة التعدين.
فالحصول على رخصة استكشاف لا يعني بالضرورة وجود منجم اقتصادي جاهز للإنتاج؛ فبين العينة الصخرية الأولى وأول سبيكة ذهب تمتد سلسلة طويلة من المسوحات والحفر والتحاليل، وتقدير الموارد والاحتياطيات، ودراسات الجدوى، ثم التمويل والتطوير.
لذلك ينبغي النظر إلى الرخص المصرية السبع باعتبارها سبع فرص تعدينية واستكشافية محتملة، وليس سبعة مناجم مكتشفة.
والفارق هنا ليس لغويًا فحسب، بل اقتصادي أيضًا؛ فقيمة الأصل التعديني تتحول جذريًا مع انتقاله من احتمال جيولوجي إلى مورد، ثم إلى احتياطي قابل للاستخراج اقتصاديًا، وبعدها إلى مشروع قابل للتمويل، وأخيرًا إلى منجم منتج.
وتأتي هذه الخطوة السعودية في وقت يشهد فيه قطاع التعدين المصري تغيرًا في أسلوب عرض الفرص أمام المستثمرين.
فمنذ بدء العمل بنظام طرح القطاعات التعدينية عبر المناطق المفتوحة في 10 يونيو 2026، تقدمت 119 شركة، من بينها أكثر من 14 شركة أجنبية، بإجمالي 403 عروض تغطي 118 قطاعًا من أصل 335 قطاعًا مطروحًا، موزعة على مساحة تقارب 45 ألف كيلومتر مربع.
وجاءت الشركات الأجنبية من دول تشمل أستراليا والمملكة المتحدة وكندا والسعودية وتركيا وجنوب أفريقيا والهند والصين.
وهذا يعني أن مصفاة الذهب السعودية تدخل ساحة تشهد منافسة واسعة، لا سوقًا خالية، إذ تستقطب المنطقة شركات وخبرات ورؤوس أموال من مختلف أنحاء العالم.
وهنا تبرز قيمة الخبرة الفنية والقدرة التمويلية والصبر الاستثماري؛ فالتعدين ليس نشاطًا يحقق عوائد سريعة، بل صناعة قد تتطلب سنوات من الإنفاق قبل أن يتضح ما إذا كان المورد الجيولوجي قابلاً للتحول إلى احتياطي اقتصادي ومنجم منتج.
ويظل منجم السكري الأكثر حضورًا في أي حديث عن ذهب مصر، إذ بلغ إجمالي إنتاجه نحو 6.8 مليون أوقية منذ بدء الإنتاج في يونيو 2009.
ومن هنا تكتسب طموحات الشركة السعودية أهميتها، غير أنه من الضروري التمييز بين الطموح الجيولوجي والنتيجة التجارية؛ فما ستسفر عنه أعمال الحفر هو الذي سيحدد في النهاية ما إذا كانت المناطق المستهدفة تحمل مشروعات كبرى، أو موارد أصغر، أو لن تتجاوز مرحلة الاستكشاف.
فالجيولوجيا الواعدة وحدها لا تكفي لصناعة منجم.
فهناك مخاطر الاستكشاف، وتكاليف الحفر والتطوير، والحاجة إلى الطاقة والمياه والطرق والخدمات، إضافة إلى تقلبات أسعار الذهب وتكاليف التشغيل والتمويل والاشتراطات البيئية والتنظيمية.
غير أن هذه المخاطر نفسها هي ما يفسر القيمة الكبيرة التي يمكن أن يحققها أي اكتشاف ناجح.
من الحفر إلى شاشة التداول.. والبحر الأحمر جسر اقتصادي
وهنا تظهر زاوية أخرى مهمة في القصة.
فالتوسع الجغرافي للشركة يرتبط ارتباطًا وثيقًا باستعدادها للدخول إلى السوق المالية السعودية.
وبناءً على تصريحات سابقة لرئيس مجلس إدارتها، تعتزم الشركة طرح نحو 30% من أسهمها بين 2028 و2030، وتستهدف امتلاك مخزون يتراوح بين 5 و10 ملايين أونصة من الذهب قبل تنفيذ الطرح.
أما التصريحات الأحدث فتشير إلى استهداف عام 2028 أو 2029 موعدًا للطرح.
وإذا نجحت الشركة في توسيع قاعدة مواردها واحتياطياتها وإضافة مناجم منتجة، فإن ما سيُعرض على المستثمرين لاحقًا لن يقتصر على نشاط تكرير الذهب وتصنيعه، بل سيكون شركة تمتلك محفظة أصول تعدينية داخل السعودية وخارجها.
وعندها يصبح الاستكشاف في مصر عنصرًا محتملاً في قصة القيمة المستقبلية للشركة، وليس مجرد امتداد جغرافي.
أما المغزى الاقتصادي الأوسع فيتمثل في أن نجاح شركة تعدين سعودية في بناء أصول خارجية ينسجم مع مسار تنويع الاقتصاد وتوسيع دور القطاع الخاص.
فالمستهدف الرسمي لرؤية السعودية 2030 يتمثل في رفع مساهمة القطاع الخاص إلى 65% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030، بعد أن بلغت 51% في 2025.
والقيمة المحتملة للتوسع الخارجي لا تقتصر على أرباح شركة واحدة؛ إذ إن نجاح الشركات السعودية في أسواق التعدين الإقليمية قد يفتح المجال أمام شركات الخدمات الجيولوجية والهندسية والتقنية واللوجستية والتمويلية، ويحوّل المعرفة والخبرة المتراكمة محليًا إلى خدمات وقدرات قابلة للتصدير.
كذلك فإن إدراج شركة تعدين بعد بناء قاعدة أوسع من الأصول والاحتياطيات يمكن أن يضيف إلى السوق المالية السعودية نشاطًا مرتبطًا بقطاع غير نفطي وأصول تمتد جغرافيًا إلى أسواق أخرى.
وهنا ربما تكمن أهم زاوية في القصة.
ففي الضفة الشرقية للبحر الأحمر تتوسع صناعة التعدين السعودية، وتتراكم لدى شركاتها المعرفة ورأس المال والخبرة.
وفي الضفة الغربية تفتح مصر مساحات جديدة للاستكشاف في صحرائها الشرقية، وتسعى إلى جذب رأس المال والتكنولوجيا والخبرات الدولية.
وبين الضفتين يمتد نطاق جيولوجي مشترك هو الدرع العربي–النوبي.
وإذا أثبتت عمليات الحفر والاستكشاف المقبلة وجود احتياطيات تجارية كبيرة، فإن القصة لن تكون مجرد شركة سعودية تبحث عن الذهب في مصر، بل نموذجًا أوسع للتكامل الاقتصادي؛ حيث يلتقي رأس المال والخبرة السعوديان مع الفرص والموارد الجيولوجية المصرية، في سلسلة قيمة تبدأ من الاستكشاف والحفر، وتمر بالتعدين والخدمات والتكرير والتصنيع، وقد تمتد إلى التمويل والاستثمار وأسواق المال.
وعندها لن يظل البحر الأحمر فاصلًا بين اقتصادين، ولن يقتصر دوره على كونه ممرًا ملاحيًا؛ بل سيتحول إلى جسر بين فرصتين، تجمعهما تحت الأرض امتداد جيولوجي واحد، وفوقها مصلحة اقتصادية مشتركة.
الكاتب: مصطفى محمد القرشي






