الجمال الذي لا يدوم.. حين تمنحنا اللحظة العابرة أعمق معاني الحياة

شارك
الجمال الذي لا يدوم.. حين تمنحنا اللحظة العابرة أعمق معاني الحياة

من بشارة الخصوبة إلى رمز الجمال

في الثقافة اليابانية، تتجلى فكرة الجمال العابر في شجرة الكرز المعروفة باسم «ساكورا». فخلال فترة نارا الممتدة بين عامي 710 و794 ميلادي، كانت أزهار الكرز مرتبطة بمواسم الزراعة والتوقعات المتعلقة بالمحاصيل؛ إذ كان يُستبشر خيراً بالازدهار المبكر، بينما كان تساقط البتلات بسرعة يثير القلق من الجفاف أو من اضطراب الأزمنة. غير أن هذه الزهرة التي كانت في الماضي علامة على خصوبة الأرض، باتت اليوم من أكثر الرموز اليابانية تعبيراً عن الجمال.

في موسمها، يتوافد الناس إلى الحدائق لمشاهدة الأشجار وهي تملأ المكان بألوانها البيضاء والوردية، قبل أن تبدأ البتلات بالسقوط. وهذه هي مفارقة «الهانامي»: أن نحتفل بجمال نعرف سلفاً أنه لن يدوم. فنحن لا نذهب إلى الزهرة لأنها خالدة، بل لأننا ندرك أنها سترحل.

مفارقة الاحتفاء بالزائل

وهنا يكمن سرّ الجمال الذي لا يبقى. إنه جمال يشبه قوس قزح يستعصي على الإمساك، أو موجة عاتية ترتفع ثم تنكسر، أو ندى الفجر الذي تبتلعه الشمس، أو الغسق وهو يعبر السماء للحظات، أو الكسوف الذي يحجب الضوء ثم يعيده، أو زهرة انفصلت عن ساقها فصار عمرها أقصر من عمرها المحتمل.

كل هذه اللحظات لا تستمد قيمتها من استمرارها، بل من هشاشتها. وحتى الأفعال اليومية التي تبدو عادية ومكررة يمكن أن تتحول إلى طقوس جمالية إذا منحناها القدر الكافي من الانتباه. يكفي أن نتأمل طقس الشاي الياباني؛ فإعداد كوب من الشاي ليس مجرد تجهيز مشروب ساخن، بل هو احتفاء بالضيف، واحترام للمكان، وعناية بكل أداة، ونظافة دقيقة، وتقديم حلوى قبل الشاي لتخفيف مرارة العشبة، وانحناءة تحمل في بساطتها معنى الامتنان.

اليقين بأن شيئاً ما سينتهي يدفعنا إلى عيشه بحدة أكبر. وهنا تكمن قدرة اللحظة العابرة على أن تتحول إلى أبدية.

فن التذكر وحكمة الزوال

لقد التقط والتر بنيامين هذه المفارقة حين ربط بين الطبيعة العابرة وما يمكن أن يكتسب صفة الأبدية من خلال فن التذكر. فالسعادة، في جوهرها، ليست امتلاك اللحظة والاحتفاظ بها، وإنما المرور بها بوعي كامل، بحيث يتحول ما كان عابراً في الزمن إلى شيء دائم في الذاكرة.

ولعل أبيات روبرت فروست في قصيدته «لا شيء ذهبياً يمكن أن يبقى» تختصر الفكرة ببساطة موجعة: فكل ما هو أخضر يبدو ذهبياً في بدايته، لكن هذا الذهب لا يستمر؛ الورقة تصبح زهرة، والزهرة سرعان ما تذبل، ويهرب الفجر حين يقبل النهار، وكل شيء لامع يفقد بريقه.

إن جمال الأشياء يتكثف أحياناً لأنها لا تصلح للتملك. فالأشياء التي لا يمكن إمساكها هي نفسها التي تحثّنا على التلذذ بها، وكل ما يفلت من دائرة الملكية يظل بعيداً عن منطق النفع والحساب. وربما لهذا كان مونتين محقاً حين رأى أن السعادة لا تأتي من التملك بقدر ما تأتي من الاستمتاع. فنحن لا نملك الغروب، ولا الموسيقى، ولا الضحكة، ولا الحب، ولا اللحظة التي نشعر فيها بأن العالم، لسبب غامض، صار أكثر اتساعاً.

ولا شيء نملكه منها سوى عبورها، وهذا العبور ذاته يصنع قيمتها. ويعبّر مفهوم «مونو نو أوا ري» الياباني عن هذا الوعي بجمال الأشياء وهي تتلاشى؛ إنه ذلك الإحساس الرقيق الذي ينشأ حين ندرك جمال الشيء في اللحظة نفسها التي ندرك فيها فناءه. وهو ليس حزناً خالصاً ولا فرحاً خالصاً، بل مزيج غريب من الدهشة والأسى والامتنان؛ أن تحب الشيء، وفي اللحظة ذاتها تعرف أنك ستفقده.

الحياة لأنها عابرة

إنه اليوم الأخير من رحلة طويلة، والصفحات الأخيرة من كتاب تمنيت ألا ينتهي، والحفل الذي تدرك أثناء سماع موسيقاه أن الأغنية الأخيرة ستأتي بعد قليل، ومسرحية يسدل ستارها، وابتسامة تعرف أنها لن تتكرر بالطريقة نفسها، ولقاء تعلم منذ بدايته أنه يحمل في داخله موعد الفراق.

في كل هذه اللحظات، لا يكون الحزن نقيض الجمال، بل أحد شروطه. وقد يحدث الأمر نفسه مع الحياة؛ فهي فريدة لأنها محدودة، ولو كانت بلا نهاية لفقدت جانباً أساسياً من قدرتها على إدهاشنا. والموت، على قسوته، هو الذي يمنح الحياة إحساسها بالعجلة، ويجعل للوقت وزناً، وللحظة معنى، وللحب ضرورة. ونحن لا نعرف أي لحظة ستكون الأخيرة، ولذلك تبدو كل لحظة، في احتمالها الخفي، جديرة بالانتباه.

من هنا تأتي حكمة «كاربي دييم»: لا تؤجل الحياة إلى وقت آخر، لأن الوقت نفسه لا يَعِدنا بشيء. لا لأن علينا أن نعيش في لهاث دائم، بل لأن الحاضر هو الشيء الوحيد الذي نملكه فعلاً قبل أن يتحول هو الآخر إلى ذكرى.

ربما لهذا لا يكون الزائل أقل قيمة من الدائم، بل أكثر إلحاحاً. فأجمل ما في بعض الأشياء أنها لا تمنحنا فرصة ثانية لرؤيتها بالطريقة نفسها. نحن لا نحتفظ بالحياة؛ نحن نعبرها. وما يبقى منها ليس اللحظات ذاتها، بل أثرها فينا: صورة، كلمة، وجه، رائحة، يد أمسكت بنا ذات مساء، أو ضوء سقط على نافذة ثم اختفى.

وهكذا فإن ما يغادرنا في الزمن قد يبقى في الذاكرة، وقد تصير اللحظة التي لم تدم إلا ثوانٍ، في أعماقنا، أطول من العمر كله. ولذلك ربما لا يكون المطلوب أن نبحث عن الأشياء التي تدوم، بقدر ما ينبغي أن نتعلم كيف نرى الأشياء قبل أن ترحل.

الحياة لا تصبح ثمينة لأنها أبدية، وإنما لأنها عابرة. وما يجعل اللحظة جديرة بأن تُعاش بكل امتلاء، هو بالضبط ذلك الهمس الخفي الذي يرافقها منذ بدايتها بأنها لن تبقى.

أعجبك الخبر؟ شاركه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *