المجالس الأكاديمية بين صناعة القرار وتمريره: أين تكمن الإشكالية؟

10/08/2026 01:02

قياس قوة الجامعات ومكانتها العلمية لا يتم فقط بعدد الأبحاث، بل بجودة البيئة التي تتيح البحث والتعليم والنقد العلمي. وهذه البيئة لا يمكن أن تزدهر ما لم تكن الحرية الأكاديمية حقيقية وراسخة. فالجامعة ليست مؤسسة تقليدية تُدار بأوامر وتعليمات، وإنما هي مجتمع علمي قائم على الحوار وتعدد الآراء والاستقلالية المهنية والاحتكام إلى المعرفة والتخصص.

والحرية الأكاديمية لا تعني العمل بمعزل عن الأنظمة، بل أن تُبنى القرارات المتعلقة بالتعليم والبحث والمناهج والبرامج والتقييم العلمي على الرأي المتخصص والحوار المؤسسي والمعايير الموضوعية. كما يعني ذلك أن تمارس المجالس واللجان الأكاديمية اختصاصاتها باستقلالية مهنية ضمن إطار الأنظمة والصلاحيات المعتمدة. ولهذا ارتبطت الحرية الأكاديمية في الجامعات الرصينة بمفهوم الحوكمة التشاركية ودور أعضاء هيئة التدريس في القضايا التي تمس جوهر الرسالة الأكاديمية.

صناعة القرار أم تمريره؟

هنا يبرز السؤال الأساسي: ما الدور الحقيقي لمجالس الأقسام والكليات والمجلس العلمي ومجلس الجامعة واللجان الدائمة والمركزية؟ من المفترض أن تبدأ صناعة القرار الأكاديمي من الأقسام العلمية لأنها الأقرب إلى التخصص، ثم تنتقل عبر المستويات التنظيمية بحيث يكمل كل مستوى الآخر. لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول هذه المجالس إلى حلقات إجرائية لتمرير قرارات اتخذت مسبقاً، أو تصبح اللجان أدوات لإعادة إنتاج التوجيه الإداري بدلاً من أن تكون منصات للنقاش العلمي وصناعة القرار.

المشكلة ليست في وجود القيادات الجامعية أو صلاحياتها، فالقيادة ضرورة، وإنما تكمن في الحد الفاصل بين التوجيه والتمكين من جهة، والتدخل في القرار الأكاديمي من جهة أخرى. فالقيادة الناجحة لا تقاس بقدرتها على فرض الرأي، بل بقدرتها على بناء مؤسسات تتخذ قراراتها وفق أسس مهنية حتى عند اختلاف الآراء.

تعدد الآراء ضمان للجودة

أهمية ذلك لا تقتصر على حماية الحرية الأكاديمية، بل تمتد إلى جودة القرار نفسه. فإتاحة الرأي المتخصص ومناقشة البدائل وإظهار الآراء المختلفة تقلل احتمالات الخطأ وتكشف المخاطر مبكراً وترفع القبول المؤسسي بالقرارات. لذا فإن تعدد الآراء ليس عائقاً أمام كفاءة القرار، بل أحد ضمانات جودته.

ومن أخطر مظاهر البيروقراطية الأكاديمية أن يُطلب من مجلس أو لجنة متخصصة دراسة موضوع بينما يكون الاتجاه النهائي قد تحدد مسبقاً. عندها يصبح النقاش شكلياً، والمجلس أقرب إلى جهة تصديق منه إلى جهة صناعة قرار. ومع تكرار ذلك تتراجع الثقة والحوار، وقد يصبح تجنب الاختلاف أكثر أماناً من إبداء الرأي العلمي المستقل.

العلاقات الشخصية والخوف من الاختلاف

ولا تقل المجاملات والعلاقات الشخصية خطورة على استقلال القرار، خصوصاً عندما يتعلق الموضوع بأحد الأعضاء، أو عندما يتردد البعض في إبداء رأي مخالف لرئيس المجلس أو اللجنة أو للقيادات. فالحوكمة الأكاديمية تقتضي أن تُبنى المواقف على الموضوعية والتخصص، وأن تُدار حالات تعارض المصالح بوضوح حتى لا تؤثر العلاقات الشخصية أو الاعتبارات الوظيفية في نزاهة القرار وجودته.

والأخطر أن يتحول اختلاف الرأي الأكاديمي إلى خلاف شخصي، وأن يُنظر إلى صاحب الرأي المخالف باعتباره معارضاً بدلاً من شريك في صناعة القرار. فالاختلاف العلمي ينبغي أن يكون مصدر قوة لا سبباً للعزلة أو التهميش؛ فالجامعة التي تضيق بالرأي المختلف تفقد إحدى أهم أدوات تصحيح قراراتها وتطوير أدائها.

إن الجامعات التي تطمح إلى التميز والبحث العلمي المؤثر تحتاج إلى بيئة تسمح بالسؤال والنقد والمراجعة. فالمعرفة لا تتقدم بالموافقة الدائمة، وإنما بالاختلاف المنضبط والحوار العلمي. المطلوب ليس تقليص صلاحيات القيادات، بل بناء علاقة مؤسسية تكون فيها القيادة مسؤولة عن التوجيه الإستراتيجي والتمكين والمساءلة، بينما تمارس المجالس اختصاصاتها باستقلالية مهنية حقيقية. فالجامعة القوية ليست التي لا يختلف فيها أحد، وإنما التي يستطيع الجميع فيها أن يختلفوا بأمان، وأن يُسمع الرأي قبل اتخاذ القرار. وعندها تصبح الحرية الأكاديمية ممارسة مؤسسية تنعكس على جودة القرار، وقوة الجامعة، وقدرتها على إنتاج المعرفة والابتكار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *