كانت قراءة الفنجان في الأزمنة الماضية إحدى الطرق التي يعتمد عليها بعض الناس لاستشراف أحداث الغد. فقد كانت المرأة المتخصصة في هذا المجال تتأمل أشكال بقايا القهوة المستقرة في قاع الفنجان، ثم تُطلق توقعاتها عن السفر والحب والعمل والقرارات التي تنتظر أصحابها. ورغم أنها لم تكن سوى اجتهادات وتخمينات، إلا أنها كانت تشبع ذلك الفضول الإنساني تجاه المجهول.
استبدال القارئ لا التخلي عن الرغبة في معرفة الغد
ومع تقدم العلوم والتكنولوجيا، تراجعت مكانة هذه الممارسات في نظر الكثيرين، لكن الرغبة البشرية في معرفة المستقبل ما زالت حاضرة. فنحن نبحث دائماً عن أجوبة حول ما سيقع، وماذا سنقتني، وأين سنتوجه، وما الذي قد نقوم به غداً. وما تغيّر أساساً أننا لم نتخلَّ عن فكرة التنبؤ، بل اكتفينا بتغيير القارئ.
من فنجان القهوة إلى تتبع البصمة الرقمية
فلم تعد قارئة المستقبل اليوم امرأة تجلس وراء منضدة، بل صارت حزمة من الخوارزميات والبرمجيات الذكية التي تعمل خلف شاشات الهواتف والحواسيب، وهي لا تحتاج إلى فنجان قهوة، بل تكتفي بالآثار الرقمية التي نخلفها وراءنا. فهي تتتبع كل استعلام نكتبه، وكل مقطع مصور نشاهده، وكل ضغطة على زر الإعجاب، وكل سلعة نشتريها، وحتى الفترة الزمنية التي نقضيها في مشاهدة منشور معين. ومن هذه الأجزاء الصغيرة تُبنى بيانات مفصلة تعكس اهتماماتنا وعاداتنا وأنماط سلوكنا.
لذلك، لم تعد الاقتراحات التي تظهر على منصات التسوق الإلكتروني أو المواقع الرقمية وليدة الصدفة. فحين نبحث عن منتج، أو نشاهد عملاً ما، أو نخطط لرحلة، تبدأ الأنظمة تلقائياً بعرض خيارات شبيهة وإبراز إعلانات متصلة بموضوعنا. وقد يصل الأمر بنا إلى حد التعجب والتساؤل: هل تقرأ هذه الأجهزة أفكارنا حقيقةً؟
بين حدس الماضي وتحليل الحاضر
والجواب هو النفي قطعاً؛ إذ لا تملك الخوارزميات أي وسيلة للاطلاع على الأفكار، لكنها تعرف بدقة ما نفعله. ومن هنا يظهر الفارق الأساسي؛ فقارئة الفنجان القديمة كانت تتكئ على الحدس والتخمين، بينما تعتمد الخوارزمية المعاصرة على فحص السلوك الواقعي، وتتبع الأنماط المتكررة، وتقدير الاحتمالات. ورغم اختلاف المنهج، قد تخالجنا أحياناً مشاعر تقول إن هناك من يدرك عنا أكثر مما ندركه نحن عن ذواتنا.
ومع التقدم المتسارع في مجال الذكاء الاصطناعي، تجاوزت الوظيفة التنبؤية حدود اقتراح فيلم أو سلعة، وأضحت الأنظمة تستطيع معالجة أحجام ضخمة من المعلومات، ورصد أنماط دقيقة يعجز البشر عن التقاطها، وإصدار توقعات تخص الأسواق وتصرفات المستهلكين ومسارات الأعمال، فضلاً عن تغيّرات مرتقبة في مجموعة من المهن والقطاعات.
الخوارزميات ليست عرافة حديثة
غير أن نقطة الاهتمام لا ترتبط بإمكانية الذكاء الاصطناعي على الاستشراف؛ بل بالطريقة التي نتعامل نحن بها مع مخرجاته. ففي كثير من الأحيان تصدر هذه الأنظمة أحكامها بنبرة مليئة بالثقة، وتعززها بالأرقام والرسوم التوضيحية، الأمر الذي يمنحها مكانة عالية في أعيننا ويصعّب علينا إبداء أي شك تجاهها. غير أن براعة هذه الأدوات ودقة حساباتها لا تجعلها بمنأى عن الخطأ.
ولهذا يظل التحدي الجوهري مرتبطاً بكيفية توظيف هذه الوسائل؛ فهي ينبغي أن تظل معينات على الاستيعاب واتخاذ القرارات، لا مصدراً لمسلمات لا تقبل المراجعة. فالوعي الرقمي لا يقتصر على الإلمام بتشغيل الأدوات، بل يتعداه إلى إدراك القيود المفروضة على هذه التقنيات، والفصل بين ما تفصح عنه البيانات حقيقةً وما نستنتجه نحن منها من استنتاجات، وإدراك التباين بين النصيحة والتوقع، وبين الافتراض والواقع.
من المؤكد أن الخوارزميات تدرك ما تابعناه، وما استفسرنا عنه، وما أتممنا من عمليات شراء، وقد تتمكن من تخمين خطواتنا التالية، إلا أنها لا ترقى إلى منزلة العرافة الإلكترونية، وليس الذكاء الاصطناعي ساحراً يطّلع على الغيبيات، ولا تمنح البيانات أي طرف سلطة مطلقة لرفع حجاب المجهول.
وفي الختام تبدو المفارقة طافرة؛ فالعرّافة التقليدية كانت تستشرف أيامنا المقبلة عبر الرواسب المتروكة في القاع، بينما تخلّت نظيرتها الحديثة عن الكوب وتوجّهت إلى مصدر أشد عمقاً: الإنسان نفسه. وهي لم تعد ساعية إلى مجرد معرفة خطواتنا القادمة، بل تحولت إلى مؤثر في المشهد المعروض أمامنا، وفي الخيارات المتاحة لدينا، وربما في رغباتنا ذاتها. ولهذا تحول السؤال من: ما الذي تعرفه هذه الأنظمة عنا؟ إلى: هل أوكلنا للخوارزميات رسم مسار مستقبلنا، أم إننا ما زلنا نحتفظ بزمام الاختيار؟





