قبل أربعة عقود تقريباً، وتحديداً في الحادي والعشرين من شهر ذي الحجة عام 1409هـ، الموافق للرابع والعشرين من يوليو عام 1989م، شهد العالم تتويج المنتخب السعودي للناشئين بكأس العالم لكرة القدم في البطولة التي أقيمت في اسكتلندا. كان ذلك الإنجاز الأول من نوعه لمنتخب عربي وآسيوي في تاريخ المسابقة.
لحظتان فارقتان في تاريخ الرياضة
اليوم، وفي عام 2026، نقف أمام لحظتين تاريخيتين في عالم الرياضة. الأولى هي تزامن بطولة كأس العالم للكبار في عام 2030 مع الذكرى المئوية لانطلاق المسابقة التي بدأت لأول مرة في الأوروغواي عام 1930م. وتحمل هذه السنة دلالة خاصة للسعوديين، لارتباطها برؤيتهم الطموحة التي قادها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، رئيس مجلس الوزراء وولي العهد. ومن أبرز ثمار هذه الرؤية في المجال الرياضي، تأهل المملكة لاستضافة كأس العالم لكرة القدم عام 2034.
أما اللحظة الثانية، وهي الأهم في نظري وفي نظر كل سعودي وسعودية، فتتمثل في استضافة بلادنا لبطولة كأس العالم 2034. وأنا على يقين تام، كما يعلم الجميع، أن دولتنا -رعاها الله- ستدهش العالم بما ستوفره من ملاعب ومنشآت إيواء للفرق الرياضية والوفود المرافقة من كل مكان.
دعوة للاستعداد المبكر لتحقيق إنجاز جديد
على ضوء المفاجآت التي نشهدها حالياً في البطولة الجارية، أود أن أعلق الجرس في رقبة وزارة الرياضة والأندية والمجتمع الرياضي عموماً، داعياً إلى الاستعداد المبكر لتمكين منتخبنا الوطني من تسجيل إنجاز فريد يضاف إلى إنجاز الناشئين، بأن يصبح أول منتخب عربي وآسيوي يحرز كأس العالم للكبار. ولأن البطولة القادمة تصادف الذكرى المئوية، فسيكون لها وقع خاص على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي. وإذا لم نتمكن من الفوز، فلا أقل من المنافسة بشراسة على اللقب في البطولة التي تستضيفها بلادنا عام 2034.
أرى أن جميع الظروف مهيأة لتحقيق هذا الحلم الذي تتطلع إليه كل سعودية وكل سعودي. فالدولة -حفظها الله- توفر دعماً وإمكانات للرياضة لا تضاهيها أي دولة أخرى. ويبقى أن نملأ نفوسنا بأمل لا يخبو، وطموح لا حدود له، وعزيمة قوية، وثقة راسخة بعون الله وتوفيقه. لكن ذلك يتطلب عملاً جاداً وجهداً متواصلاً، فكرة القدم اليوم أصبحت علماً وليست مجرد موهبة. ولدينا الإمكانات الوفيرة، والحمد لله، التي تستطيع تحقيق المستحيل بعون الله وتشجيع القيادة الرشيدة، وأمامنا متسع من الوقت لتحقيق الأهداف. ولنتذكر دائماً قول الشاعر: “إذا غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم، فطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم”.
ويبقى على أفراد فريقنا الوطني أن يتخيلوا أنفسهم وهم يتوجون بالبطولة، مرتدين الأخضر الخفاق، وعيون السعوديين والسعوديات تفيض بالدموع فرحاً. فاعملوا بجد من الآن حتى لا تخذلوهم، بل كونوا عند حسن ظنهم، منشدين مع البدر: “فوق هام السحب وإن كنت ثرى، فوق عالي الشهب يا أغلى ثرى، أنت ما مثلك بهالدنيا بلد”.
دور الثقافة والإعلام في إبراز الهوية السعودية
ولا يفوتني هنا أن أعلق الجرس أيضاً في رقبة وزارة الثقافة ووزارة الإعلام، لأهمية الاستعداد لهذا الحدث العالمي في عام 2034، ليصبح استثنائياً يرسخ في ذاكرة كل من يحضره أو يشاهده عبر الشاشات من جميع أنحاء العالم. ينبغي تقديم المملكة من خلال برامج فريدة تعكس إرثنا الحضاري والثقافي، وتطلع العالم على تاريخنا المجيد وعاداتنا وتقاليدنا العريقة، ويدنا الطولى في دعم العمل الخيري والإنساني، وجهدنا المشهود في تحقيق أمن العالم وسلامه واستقراره ورخائه.
هذه فرصة عظيمة ينبغي على جميع الجهات المعنية استثمارها بأقصى درجة، لجعل هذا الحدث مختلفاً تماماً عن كل ما شهده العالم خلال القرن الماضي منذ انطلاق أول بطولة كأس العالم عام 1930م. يجب أن نرسخ كل ما هو معروف عنا، ونصحح المفاهيم المغلوطة التي روجها الأعداء.
لا ينبغي أن تقتصر إقامة هذا الحدث العالمي في بلادنا عام 2034 على المباريات والحديث عن الفائز والخاسر، بل يجب أن يكون تظاهرة ممتعة تطلع العالم على كل ما تجاهله من إرثنا التاريخي والحضاري والثقافي أو جهله. مع صادق الأمنيات والدعاء بالتوفيق والسداد لفريقنا الوطني ولكل القائمين على أمره، فالنجاح ليس حكراً على أمة دون غيرها، بل هو متاح لكل طموح مترع بالأمل وحريص على العمل. فبالعمل يتحقق الأمل، ولكل مجتهد نصيب.





