يشير المفكر برتران بادي إلى أن التوتر المتصاعد بين القوة التي أُعيد تصورها بسذاجة وبين ما يُسميه “الطاقة الاجتماعية” (L’énergie sociale) المتصاعدة يُعد الخيط الرابط في مؤلفه الجديد، وهو ما يُشكل جوهر اللغز الذي يميز هذا الواقع المتجدد (ص16). هذه “القوة اليتيمة” La puissance orpheline، التي فقدت دعائمها التقليدية من نظام وشرعية، تحولت إلى كيان وحيد هائم في فضاء لا يلتزم بقواعده القديمة؛ وعلى الرغم من أن هذه القوة قادرة على إلحاق الدمار والقتل، إلا أنها تفتقر إلى القدرة على إبداع حلول أو أنظمة بديلة.
إعادة تفكيك المشهد السياسي الدولي
يبرز الإصدار الجديد لبرتران بادي في قدرته على تحليل الساحة السياسية الدولية عبر أدوات سوسيولوجية تمسّ المحركات الاجتماعية الحديثة التي تشكّل حياة العلاقات الدولية. يسلّط الضوء على تداخل الديناميات الاجتماعية والسياسية وتقاطعاتها وتشابكاتها المتناقضة. فالعولمة، طفرة الاتصالات، ارتفاع مستويات التعليم، وتزايد التداخل بين الأبعاد السياسية والاجتماعية، إلى جانب ظاهرة التكاملية l’effet de complémentarité، كلها تتعارض مع الرؤية التقليدية النستالجية للقوة، أو مع مفهومها الميكيافيلي الذي يضع القوي في مرتبة المنتصر الدائم القادر على فرض إرادته.
إن “الطاقة الاجتماعية” المستمدة من الحداثة بأشكالها المتباينة – سواء كانت انتفاضة أو تعاطف أو استياء أو نفور أو غضب – تجعل القوة مسألة نسبية؛ فهي “تربك الاستراتيجي، وتحدّ الحاكم، وتفاجئ المراقب، وتعيد تشكيل الحدث”. وتتمثل المشكلة في استمرار الاعتماد على “أدوات وقواعد” من الماضي، التي لم تعد صالحة لعالم اليوم المتشابك والمتعدد الأبعاد، ولا لتحديات القرن الحادي والعشرين. ففي هذا السياق يمكن للقوي أن يحقق الانتصارات الميدانية، لكنه يظل عاجزًا عن تحقيق نصر سياسي حقيقي أو استقرار دائم.
أمثلة تاريخية على فشل القوة المفرطة
يستشهد بادي بأمثلة تاريخية لتأكيد رؤيته، من الاستعمار الفرنسي في الجزائر (1957)، إلى التدخل الأمريكي في كمبوديا بين 1969 و1973، وصولاً إلى الحرب الإسرائيلية على غزة منذ أكتوبر 2023. تُظهر هذه المقارنات أن القوة المفرطة لا تُقضي على الحركات الاجتماعية، بل تعزز من شعبيتها وقدرتها على التجنيد.
تنمية الوعي النقدي وتوليد الطاقة الاجتماعية
يعتمد بادي على مفهوم “تنمية الوعي النقدي” (Conscientisation) الذي صاغه الفيلسوف البرازيلي باولو فريري، لتوضيح أن الحروب والأزمات، رغم دمارها المادي للمجتمعات، تسهم في توعية الشعوب بواقعهم وموازين القوى، مما يولد وعيًا جمعيًا جديدًا يغذي “الطاقة الاجتماعية” التي لا تستطيع القوة العسكرية كبحها. يذكر الكاتب تجارب من هاييتي إلى بورما والكونغو والسودان والقرن الأفريقي واليمن، حيث أدت الصراعات إلى أزمات إنسانية حادة؛ فبحلول نهاية عام 2024، احتاج نصف سكان السودان إلى مساعدات إنسانية، إلى جانب 26 مليون شخص في القرن الأفريقي و21 مليون في اليمن، في ظل عجز الوكالات الدولية عن الاستجابة إلا لنصف الطلبات.
لم تعد هذه الظواهر مجرد “أضرار جانبية”، بل تُعيد تشكيل المجتمعات بعمق دائم، مُغيّرةً البنى الاجتماعية والهويات والمعتقدات، ومُنتجَةً سيولة اجتماعية لا تُستوعبها الأطر السياسية التقليدية (ص44). وبالتالي تصبح الحرب، بخلاف الحروب السابقة، حالة مستمرة (Perpétuité) تُصاحب المجتمعات المتفككة، حيث ينتقل الصراع من ميدان “السياسة” إلى ميدان “الوجود الاجتماعي”.
فشل القوة في الساحة الدبلوماسية والتحالفات المتغيرة
ينتقل بادي بعد ذلك إلى تحليل عجز القوة عن مواجهة المجتمعات في المجال الدبلوماسي، مستعرضًا نماذج مختلفة من التحالفات: التحالف البراغماتي L’alliance pragmatique، التحالف المحافظ أو التقليدي L’alliance conservatrice، التحالف الأمني L’alliance sécuritaire، وتحالف المعسكرات L’alliance campsite. يستنتج أن القوى العظمى تُفضِّل ما يُسمى “المواثيق الوظيفية” على التحالفات العسكرية الكاملة لتقليل الأعباء المالية والسياسية، معتمدين على التبعية المتبادلة كاستراتيجية تُربط الدول اقتصاديًا وتقنيًا وجيوسياسيًا لضمان الأمن دون الحاجة إلى التزام دفاعي مكلف كما كان الحال في الماضي (ص68).
يُختتم بادي القول بأن القوة تُستَعرض اليوم بصورة مفرطة، رغم أنها تعاني من أزمة حادة في فعاليتها؛ فهي ما تزال تُثير الرهبة بقدرتها التدميرية الهائلة، لكنها لا تملك البساطة المقنعة التي كانت سائدة في العصور السابقة، ولا النتائج المتوقعة من تلك البساطة (ص75). يطرح تساؤلات حول كيف يمكن للقوي أن لا ينتصر بعد الآن، وكيف يصبح الضعيف قادرًا على الصمود المتزايد، وما هو مصير النيوليبرالية التي كان يُفترض أنها تُعلن “نهاية التاريخ”، لكنها بدلاً من ذلك أشعلت ثورات متعددة أضعفت كل هيمنات الماضي وأدت إلى تراجع الازدهار الموعود من قبل مدرسة شيكاغو بقيادة ميلتون فريدمان.
القوة المعاد ابتكارها في الخطاب الشعبوي
في الجزء الثاني من كتابه، يصف بادي ظاهرة النستالجيا المتجسدة في السلوكيات الاجتماعية، موضحًا ثلاثة مواقف سائدة في الخطاب الشعبوي الحالي: أولًا، اعتبار القواعد المعيارية للشعبوية كدواء لكل الإخفاقات المعاصرة؛ ثانيًا، تحميل الدولة القوية مسؤولية الحماية الأمنية والهوياتية في ظل المآسي؛ ثالثًا، الدعوة إلى استعادة المكانة المتدنية في ترتيب النظام الدولي الجديد. يلاحظ أن شخصيات مثل ماريان لوبان في فرنسا، فيكتور أوربان في المجر، وخافيير ميلي في الأرجنتين تتبنى هذه الصياغة لتوفيق “القومية” التي يروج{ونها}





