مناقشة ابن تيمية حول النفي والعدم في مجلس حماة

18/06/2026 07:01

الخلفية الفكرية ودوافع الرحلة

اتخذ ابن تيمية منهجًا في مدينة حماة بعد أن تأمل في رهبة الإنسان من فكرة العدم وكيف لجأت الفلسفات إلى حيلة لتطويق هذا الفراغ الوجودي عبر تحويله إلى أداة منطقية سمّوها النفي. خطر بباله بيت زهير بن أبي سلمى الذي يقول: «وأعلم علم اليوم والأمس قبله/ولكنّني عن علم ما في غد عِ». أدرك أن هناك من حرف معنى النفي عند العرب؛ إذ كان العربي الأول يمتلك بوصلة معرفية واقعية يعتمد فيها على الإثبات الحسي لما يدركه في حاضر وماضٍ، وعند مواجهة الغيب والمستقبل يعلن عجزه عن الإدراك. وفي هذا السياق نقل عن ابن تيمية قوله المشهور: «أكثر الجهل إنَّما يقع في النفي؛ لأنَّ إحاطةَ الإنسان بما يُثبته أيسر من إحاطته بما ينفيه». قرر بالتالي استعادة منطق العرب الأصلي والتوجه إلى حماة حيث بلغه أن بعض أهلها يتحدثون عن ثلاث مجالس تنعقد تحت رعاية أمير حماة محمود بن المنصور الأيوبي: مجلس مشّائي، ومجلس إشراقي، ومجلس كلامي، مع شرح لكل منها. سافر ابن تيمية برفقة عدد من تلاميذه وأصدقائه، ناويًا أن يحل إشكالية النفي والعدم قبل أن يخالف رأي القوم، lest يُسجنه الأمير الأيوبي ويموت في السجن فيعرف الناس سبب ذلك. وقد سماه هذا الأسلوب بالتكتيك الكناني.

الخطاب في مسجد حماة وتفاعلات الحضور

بعد وصوله إلى حماة اتجه إلى المسجد وأدى صلاة الجمعة، ثم وقف وعرّف بنفسه ونادى بصوت عالٍ شقيقَه وملازمه في أسفاره شرف الدين بن عبدالحليم قائلًا: يا Abdullah، أتعرف عربيا يترك يقين حواسه وفطرته ليسبح في ملكوتٍ تجريدي، ثم يقف أمام الله فلا يصفه بما نطق به كتابُ قومه القرآن من صفات الفاعلية، إنما ينفي عنه كل شيء ليجعله مجرد فكرة بلا صفات؟ فأجابه أخوه: ذاك الشيخ أرسطو، فضجَّ المسجد بأصوات متداخلة، ولا يُدرى أضحكًا من سخرية الإجابة أم إكبارا لأرسطو. ثم بدأ ابن تيمية في كشف خيوط الأحبولة، فحاول خطيب المسجد جلال الدين الرازي أن يُسكته، ووقف صدر الدين ابن الوكيل من الصف الأول ليشوش على حديثه، فقال لهما قاضي قضاة حماة شرف الدين البارزي: «إن كنتما على يقين من خزعبلاته فاتركاه يقل ما يشاء». وهنا صفا الجو لابن تيمية، فانطلق يهدر الكلام هدرا – من شدة ذكائه وسرعة تبادر المعاني إلى سجيته – بدأ ببيان أن الدهرية دخيلة على العرب؛ إذ هي عقيدة عدمية تحيل الوجود إلى حركة عمياء، جاءت مع تجار الحيرة والشام، المؤمنين بالزروانية الفارسية، وجاءت من بحر اليمن مع مراكب الهند وركابها المؤمنين بالدهرية الحسية، وجاءت مع أطباء العجم ورهبان الأديرة المتأثرين بالطبائعية الإغريقية.

تحليل الفلسفات الوافدة وتوضيح موقف العربي الأصلي

ثم بيّن أنَّ العرب الصُرحاء الأوائل ينحصرون في معنيين: الأول (نفاة القابلية للاتصال المباشر) ذكرتهم الآية: «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى»، إذ نفوا قدرتهم الذاتية وأوجدوا وسطاء حسّيين، والمعنى الآخر (نفاة الإعادة والبعث) ذكرتهم الآية: «من يحيي العظام وهي رميم» وهم أولئك الذين عجزوا حسيا عن استيعاب البعث فنفوه دون أن ينفوا وجود الله، وإن كان هذا النفي يتقاطع في ظاهره مع نفي الدهرية إلا أنَّ أفقه المعرفي مختلف تماما، فالدهري ينفي الموجد الأول ويحيل البدء والمنتهى إلى المادة العمياء، أما العربي الصريح فيُثبت النشأةَ الأولى للخالق، لكن عقلَه العياني الحسّي أصيبَ بالقصور التخيلي أمام فكرة النشأة الآخرة؛ لهذا قال لهم القرآن «قل يحييها الذي أنشأها أول مرة»، فلو كانت الدهريةُ من العرب لما كانت إجابة القرآن كافية لهم. ثم تنفّس ابن تيمية الصعداء، حيث لم يُقاطعه أحد، وقال بصوتٍ أخفض: إذن العربي قبل الإسلام سلف للعربي المسلم الذي يملك أرضًا خصبة للإثبات، ولم يكن يُعاني من جحود عدمي يحتاج معه إلى إثبات أصل الوجود بطرائق الأعاجم ووسائلهم، العربي القديم عانى من قصور إدراكي أوقفه عند حدود المحسوس الخارجي فحسب، وبما أنَّ فطرة العربي الصريح وإحساسه الداخلي أرضٌ خصبة للإثبات، فلم يأتِ الإسلام بتغيير جذري، إنما نطق بكلمة النفي (لا إله) ليلغي الوسطاء، وعقدها بالإثبات (إلا الله) ليضبط البوصلة؛ مبقيا على بنية العربي القديم التي تدرك الإله بصفات حية وفاعلة. ثم التفت إلى الجهة التي يجلس فيها ابن الوكيل وجماعته وقال: وقد قرأتُ رسالةَ أهل حماة، وفيها استنكار لعربٍ مشائين استوردوا سكونَ فيلسوف الجمود الإغريقي «بارمنيدس» واتخذوه ذريعةً لتجريد الخالق من صفات الفعل وحولوه إلى علة ميتة، وفيها وصف لعربٍ إشراقيين استوردوا نفيَ فيلسوف الحركة الإغريقية «هيراقليطس» واتخذوه ذريعة لحلول الخالق واتحاده في تيار المخلوقين، وفيها وصف لعربٍ متكلمين خافوا من العدم المحض فابتدعوا واسطةً بين الوجود والعدم، واكتفوا لله بـ (وجود في الأذهان)، ليكون لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصلا به ولا منفصلا عنه، وجعلوا الخالق نفيًا صرفًا، ففروا من عدم محض قديم إلى عدم محض جديد، وصاروا كما قال الشاعر: «المستجير بعمرو عند كربته / كالمستجير من الرمضاء بالنار».

التفاتة: أحدُ الأصدقاء لمَّا قرأ كتابَ بؤس الفلسفة قال: «الجهل يتخفّى في عباءة الرفض الجذري»، فتأكدتُ أنَّ جذوره تيميّة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *