لم تعد تحركات الميليشيات العراقية التي ترتبط بطهران مجرد قضية داخلية عراقية أو خلافات سياسية عابرة، بل تجاوزت ذلك لتصبح خطراً على أمن المنطقة بأسرها، وتهديداً مباشراً للمملكة العربية السعودية. هذا الواقع يؤكد أن هناك جهات تسعى إلى تحويل الأراضي العراقية إلى منصة لتنفيذ أجندات لا تخدم العراق ولا العالم العربي، بل تخدم مشروعاً إقليمياً يتجاوز الحدود الوطنية.
أسئلة حول الولاء والقرار
عندما تنطلق طائرات مسيرة من أرض عربية لاستهداف منشآت اقتصادية في دولة عربية شقيقة، يبرز سؤال ملح: لمن يكون الولاء، ومن الذي يتخذ القرار؟ وأي مصلحة وطنية يمكن أن تتحقق عندما تتحول أرض دولة إلى ساحة لصراعات الآخرين؟
تأثير الميليشيات على العراق
الحقيقة أن أخطر ما ألحقته هذه الميليشيات بالعراق هو إضعاف هيبة الدولة ووحدة قرارها، وإيجاد مراكز قوة تتنازع المؤسسات الرسمية على اختصاصاتها. وهكذا أصبح العراق، ذلك البلد العربي العريق الذي كان يوماً من أهم مراكز القوة والنفوذ في المنطقة، يعاني من تبعات السلاح الذي يخرج عن سيطرة الدولة.
لكن لابد من القول بوضوح: العراق ليس ميليشيا، والشعب العراقي ليس مسؤولاً عن أفعال هذه الجماعات. فالعراق أكبر من أن يُختزل في مجموعة مسلحة، وأعرق من أن يكون تابعاً لمشروع غير عربي، وأحق بأن يستعيد دولته وسيادته ودوره العربي.
سياق إقليمي متشابه
من اللافت أن تحركات هذه الأذرع تأتي ضمن سياق إقليمي متشابه، فكما أن ميليشيات الحوثي أنهكت اليمن وأضعفت مؤسساته، تسهم الميليشيات المرتبطة بإيران في العراق في استنزاف الدولة وإرباك محيطها. وكأن المطلوب هو إبقاء المنطقة العربية غارقة في أزمات لا تنتهي.
موقف السعودية: حكمة وضبط نفس
أما المملكة العربية السعودية، فقد اختارت منذ البداية طريق الحكمة والاتزان، فلا تستدرجها الاستفزازات إلى ردود فعل متهورة، ولا يدفعها امتلاك القوة إلى استخدامها دون حساب. وهي تدرك أن ضبط النفس قوة، وأن الحلم حكمة، وأن الدبلوماسية ليست ضعفاً.
لكن على من يسيء قراءة هذا الهدوء أن يدرك أن للصبر حدوداً، وأن المملكة حين يتعلق الأمر بأمنها وسيادتها ومصالحها الوطنية لا تساوم ولا تتردد. السعودية لا تبحث عن الحرب، لكنها لا تخشاها إذا فرضت عليها، ولا تبدأ المواجهة، لكنها تعرف كيف تنهيها.
ولهذا فإن الرسالة السعودية لا تحتاج إلى كثير من الضجيج: اتركوا المنطقة لشعوبها، واحترموا سيادة الدول، وكفوا عن استخدام الأرض العربية منصة للاعتداء على الأشقاء. فمن يراهن على أن حلم المملكة ضعف، أو أن هدوءها عجز، فقد أخطأ قراءة التاريخ. فالسعودية تعرف متى تصمت ومتى تحذر ومتى تتحرك، وإذا تحركت، فإنها لا تتحرك بانفعال، وإنما بحسابات دولة تعرف قدرها وتعرف أهدافها وتعرف كيف تحميها. واسألوا التاريخ، ففي سجلاته إجابات كثيرة، فبعض الإجابات لا تأتي بالكلمات.





