تواجه أوكرانيا معضلة دفاعية معقدة، حيث تعتمد موسكو بشكل متزايد على إغراق الدفاعات الجوية بأسراب من المسيرات والصواريخ في هجوم واحد، مستنزفة المخزون المحدود والمكلف من صواريخ الاعتراض. هذا التكتيك الروسي يهدف إلى كسر المعادلة الدفاعية لكييف، بعد أن أصبح استنزاف الدرع الجوي جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الهجومية.
وتؤكد السلطات الأوكرانية أن روسيا تدمج في الموجة الهجومية الواحدة مسيرات خداعية وأخرى هجومية إلى جانب صواريخ مجنحة، ثم تطلق الصواريخ الباليستية الأسرع والأصعب في الاعتراض. وبدلاً من السعي نحو مظلة دفاعية واحدة شاملة، تبني كييف نظاماً متعدد الطبقات يخصص لكل نوع تهديد وسيلة مناسبة من حيث السرعة والتكلفة.
ولا تقتصر المشكلة على نسبة الأهداف التي يتم إسقاطها فقط. فاختراق عدد قليل من الأهداف ضمن موجة تضم مئات القطع قد يكون كافياً لإصابة محطة كهرباء أو منشأة عسكرية، بينما تكون أوكرانيا قد أنفقت خلال التصدي لتلك الموجة ذخائر يصعب تعويضها بالسرعة نفسها.
دفاع أرخص ضد المسيرات
تمثل المسيرات الاعتراضية أبرز محاولة أوكرانية لتخفيف الضغط على مخزون الصواريخ الغربية. تعتمد الفكرة على إطلاق مسيرات أوكرانية سريعة لملاحقة مسيرات "شاهد" ونظيراتها وتدميرها في الجو بتكلفة أقل بكثير من الصواريخ التقليدية.
تربط كييف هذه المسيرات بالرادارات وأجهزة الرصد الصوتي وبيانات الاستطلاع، ضمن نظام تسميه "الدفاع الجوي الصغير". ويضم النظام مجموعات نارية متحركة مزودة بالرشاشات والمدافع المضادة للطائرات والصواريخ القصيرة المدى، إلى جانب وسائل الحرب الإلكترونية التي تشوش على الملاحة والاتصالات.
تنتشر هذه المجموعات حول المدن والمنشآت الحيوية، وتتلقى بيانات مسارات الأهداف لتحديد نقطة اعتراضها. ويتيح توزيعها على مساحات واسعة التعامل مع المسيرات المنخفضة من دون تشغيل المنظومات الصاروخية الرئيسية وكشف مواقعها باستمرار.
وبحسب مجلس الأمن والدفاع الأوكراني، أنتجت البلاد 100 ألف مسيرة اعتراضية خلال 2025، وتجاوزت نسبة نجاح المهمات 60 بالمئة، وكانت تكلفة إسقاط مسيرة "شاهد" أقل بأكثر من 25 مرة من استخدام صاروخ دفاع جوي غربي.
لكن روسيا بدأت استخدام نماذج نفاثة أسرع من المسيرات، مما دفع الرئيس فولوديمير زيلينسكي في سبتمبر إلى المطالبة بتسريع إنتاج جيل جديد من المسيرات الاعتراضية. أما الصواريخ المجنحة والطائرات، فتواجهها منظومات "ناسامز" و"إيريس-تي" ومقاتلات "إف-16"، بهدف الاحتفاظ بصواريخ "باتريوت" للتهديدات الأكثر خطورة.
الباليستي.. الثغرة الأصعب
يقول كبير مستشاري مركز دراسات السياسة الخارجية في المعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية بأوكرانيا، إيفان أوس، إن الخطر الأبرز يكمن في قدرة روسيا على إطلاق أعداد كبيرة من الصواريخ الباليستية خلال موجة هجومية واحدة.
لا تستطيع المسيرات الاعتراضية أو المجموعات المتحركة مواجهة صواريخ مثل "إسكندر-إم" و"كينجال"، بسبب سرعتها ومساراتها المعقدة. لذلك تعتمد أوكرانيا بصورة أساسية على منظومات "باتريوت"، لكن عدد البطاريات ومخزون صواريخها لا يكفيان لتغطية البلاد، مما يفرض تركيزها حول كييف ومنشآت الطاقة ومراكز القيادة والبنية الاستراتيجية.
ويضيف أوس أن كييف تتفاوض مع دول أوروبية تمتلك مخزونات من صواريخ "PAC-3"، بالتوازي مع محادثات مع واشنطن لزيادة الإنتاج والحصول على ترخيص للتصنيع المحلي. لكن الترخيص لم يُحسم بعد، كما أن بناء خط إنتاج قد يستغرق سنوات، وسيظل مرتبطاً بمكونات أميركية حساسة، بينها باحث التوجيه الذي تنتجه شركة "بوينغ" ويمثل عنق زجاجة في سلسلة الإمداد.
وبالتوازي، تشارك أوكرانيا بريطانيا وثماني دول أوروبية في تحالف لتطوير قدرة مشتركة مضادة للصواريخ الباليستية. لكنه مشروع طويل الأجل لا يسد النقص الحالي.
وهكذا لا تبحث كييف عن مظلة دفاعية كاملة بقدر ما تدير ندرة الموارد، بحيث تركز المسيرات والمدافع والتشويش على الأهداف الرخيصة، وتحتفظ بمنظومات "باتريوت" للصواريخ الباليستية. وفي المقابل، تغير موسكو المسارات والارتفاعات وتزيد الأهداف الخداعية.





