جدل واسع في تونس بعد طلب 61 نائباً جلسة استثنائية لمساءلة الحكومة

07/09/2026 06:13

تونس/ عادل الثابتي/ الأناضول

أعادت الأزمات المتلاحقة في مجالات الكهرباء والمياه والصحة وتآكل القدرة الشرائية رسم ملامح مرحلة جديدة من التوتر بين الحكومة التونسية والمجلس التشريعي، بعد أن طالب 61 نائباً بعقد جلسة استثنائية بحضور أعضاء الحكومة لمناقشة حقيقة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والخدمية.

لا تقف الدعوة عند حدود الملفات الخدمية العاجلة، بل تُظهر جانبا من جدال أوسع حول دور البرلمان الرقابي وطبيعة علاقته بالسلطة التنفيذية، وهو الجدل الذي يرافق المشهد التونسي منذ الإجراءات الاستثنائية التي أعلن عنها الرئيس قيس سعيد في 25 يوليو 2021.

بينما يرى نواب أن الحكومة معنية بالإجابة عن ملف تفاقم الأزمات وسبل معالجتها، يعتبر محللون أن الخلاف يدور في الأساس حول شكل النظام السياسي القائم وما يكتنف العلاقة بين المؤسستين التنفيذية والتشريعية من توتر.

يأتي هذا الجدل في وقت تواجه فيه تونس تحديات اقتصادية واجتماعية واسعة، ما يثير من جديد سؤال قدرة المؤسسات الدستورية على الاستجابة لانشغالات المواطنين.

وشهد يوم السبت خروج مئات التونسيين في احتجاج أمام ملعب المنزه في العاصمة، حيث ردد المحتجون شعارات تنتقد انقطاع التيار الكهربائي والماء وارتفاع الأسعار.

مطالب نيابية بالرقابة

وجاءت العريضة النيابية التي وقع عليها 61 نائباً من أصل 153 في سياق انتقادات واسعة للانقطاعات المتكررة للكهرباء والمياه، وارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وتدهور الخدمات الصحية، ونقص بعض السلع الأساسية.

النائبة المستقلة فاطمة المسدي قالت لوكالة الأناضول إن الدستور يمنح مجلس نواب الشعب دوراً رقابياً على عمل الحكومة، عبر الأسئلة الكتابية والشفاهية.

وأضافت أن المشكلة تكمن في أن الحكومة “تجاوزت الدستور” بتغيبها عن جلسات كان المجلس دعاها إليها سابقاً، معتبرة أن المرحلة الحالية تتطلب تقديم تفسيرات للرأي العام.

وتابعت أن الحكومة “ترفض المجيء إلى مجلس النواب وترفض الاستماع إلى مشاكل الشعب”، وأكدت أن البلاد وصلت إلى مرحلة تقتضي معرفة أسباب الأزمات وطريقة التعامل معها.

واعتبرت المسدي أن الحكومة لم تكن مستعدة لأزمة الكهرباء، مشيرة إلى تقارير أصدرها المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية التابع للرئاسة حذّرت من عجز هيكلي في قطاع الطاقة يستدعي حلولاً قبل حصول انقطاع التيار.

وأوضحت أن اعتماد تونس الكبير على الغاز الجزائري في إنتاج الكهرباء يجعل تنويع مصادر الطاقة ضرورة، عبر الاستثمار في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وغيرها.

وشددت النائبة على ضرورة تغيير المسؤولين الذين يفشلون في معالجة الأزمات، وقالت إن الحكومة هي من ينفّذ السياسات العامة ويتحمل مسؤولية تطبيقها.

أزمات متراكمة

من جهته، قال النائب محمد علي عن كتلة الخط الوطني السيادي، التي توصف بأنها شبه مؤيدة للحكومة، إن دور البرلمان يتمثل في “المساءلة والمراقبة ومتابعة تنفيذ القوانين”، وخصوصاً عند وقوع أزمات تطال حياة المواطنين.

وأضاف للأناضول أن الحكومة معنية بالرد على تساؤلات حول قدرتها على إدارة الملفات المطروحة، مشيراً إلى أنها قصرت في بلورة سياسة عامة في قطاع الطاقة وضمان الأمن الطاقي للبلاد.

وعزا تفاقم أزمة الطاقة إلى عدة عوامل، منها ارتفاع الطلب والتغيرات المناخية، مؤكداً أن النواب سبق لهم التنبيه إلى خطورة هذا الملف.

ويرى أن العجز المالي لا يعفي الحكومة من مسؤولياتها، معتبراً أن طريقة إدارة المالية العامة في السنوات الماضية ساهمت في تعميق المشكلات الاقتصادية.

ولفت إلى أن غياب الصيانة تسبب في خروج محطات كهرباء من الخدمة، وهو ما رفع العجز اليومي إلى 2000 ميغاوات، بحسب قوله.

وأوضح أن الأزمة لم تعد مقتصرة على الكهرباء، بل تمتد إلى الأدوية والمياه والقدرة الشرائية والعودة المدرسية، معتبراً أن الرقابة البرلمانية ضرورية في هذه المرحلة.

وأكد علي أن العريضة بدأت بـ56 توقيعاً قبل أن ترتفع إلى 61، مشدداً على أن هذا العدد يلزم الحكومة بالتفاعل مع طلب عقد جلسة للنقاش.

وتعيش تونس أزمة اقتصادية من جهة أخرى، حيث تشهد مناطق واسعة قطعاً دورياً للتيار الكهربائي منذ أكثر من شهر.

وعزت الشركة التونسية للكهرباء والغاز (حكومية) هذا القطع إلى “تخفيف الأحمال عن شبكة الكهرباء لتجاوز الطلب على القدرة الإنتاجية”.

كما تتوالى انقطاعات الماء الصالح للشرب رغم سنة مطيرة، إضافة إلى فقدان كبير للمياه المعلبة التي تُستهلك على نطاق واسع في تونس، لا سيما في العاصمة والمدن الكبرى.

خلاف حول الصلاحيات

في المقابل، يذهب المحلل السياسي والمحامي عبد الرزاق الخلولي إلى أن الإشكال أكبر من الأزمات الخدمية، إذ يتصل بطبيعة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.

وشرح الخلولي للأناضول أنه وفق قراءته للدستور، لا يملك النواب حق مساءلة الحكومة، وإنما يقتصر دورهم على طرح أسئلة كتابية وشفاهية.

وأضاف أن العلاقة بين الحكومة والبرلمان “متوترة جداً”، معتبراً أن عقد جلسة بحضور أعضاء الحكومة يبدو صعباً في ظل ما وصفه بحالة “القطيعة” بين الطرفين.

ويرى الخلولي أن دعوة النواب إلى جلسة استثنائية تمثل “وسيلة ضغط على الحكومة”، لكنه يستبعد أن تؤدي إلى تغيير جوهري في الظروف السياسية الحالية.

ونبّه إلى أن أي محاولة لسحب الثقة من الحكومة تحتاج إجراءات دستورية معقدة، إذ يتعين موافقة نصف أعضاء مجلس النواب ونصف أعضاء المجلس الوطني للجهات والأقاليم، ثم الحصول على أغلبية الثلثين عند التصويت، وهو ما يجعل تحقيق الأمر صعباً.

واعتبر أن الوضع الحالي يعكس تعثراً في أداء المؤسستين التنفيذية والتشريعية، وقال إن الطرفين يواجهان انتقادات حول طريقة تعاملهما مع الأزمات.

وتواصل تونس معاناتها من أزمة سياسية تعود جذورها إلى 25 يوليو 2021، حين أعلن الرئيس قيس سعيد إجراءات استثنائية تضمنت حل مجلس النواب، وإصدار تشريعات بأوامر رئاسية، وإقرار دستور جديد عبر استفتاء، وإجراء انتخابات مبكرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *