عاد آلاف المغاربة إلى مدينة الفنيدق شمال البلاد، بعد مشاركتهم في موجة هجرة غير نظامية غير مسبوقة إلى أوروبا عبر مدينة سبتة الخاضعة للإدارة الإسبانية، وذلك خلال الأيام الأخيرة من يوليو الماضي. في أحاديثهم، يصف العائدون معاناتهم من الجوع والعطش والاعتداءات التي تعرضوا لها داخل سبتة بعد وصولهم.
تجارب قاسية وحلم مستمر
رغم قسوة التجربة، يؤكد بعض المهاجرين أن حلم الهجرة إلى أوروبا لم ينتهِ، في وقت تتواصل فيه تبعات الأزمة أمنياً وسياسياً بين الرباط ومدريد. تعددت روايات المهاجرين عن معاناتهم، حيث وصف بعضهم التجربة بـ”الصعبة”، خاصة مع إغلاق المتاجر والمطاعم داخل سبتة، وتعرض بعضهم للاعتداءات.
قبل أيام، توافد عشرات الآلاف من المغاربة إلى محيط السياج الحدودي مع سبتة، محاولين الوصول إلى المدينة ثم إلى أوروبا بطرق غير نظامية. تقع سبتة على الساحل الشمالي للمغرب وتخضع للإدارة الإسبانية، بينما تطالب الرباط باسترجاع السيادة عليها.
أرقام وتقديرات
الاثنين الماضي، قدّرت السلطات في سبتة عدد المهاجرين الذين لا يزالون فيها بنحو 3 آلاف إلى 5 آلاف، بعد عودة أكثر من 69 ألف شخص إلى المغرب عقب موجة العبور الجماعي. يونس، من مدينة العرائش شمالي المغرب، يقول إنه عاش 3 أيام من العذاب داخل سبتة قبل عودته إلى الفنيدق. ويذكر أن كثيراً من المهاجرين لم يجدوا ما يأكلونه طيلة أيام مكوثهم، موضحاً أنه وجد صعوبة في الحصول على الطعام باستثناء بعض البقايا في المطاعم، حتى مع توفر المال. ورغم الصعوبة، قال إنه سيعاود محاولة الهجرة.
الأحد الماضي، أعلنت وزارة الداخلية المغربية أن نحو 40 ألف شخص توجهوا إلى سبتة، وأن الأحداث أسفرت عن مصرع 11 شخصاً. وأضافت أن السلطات المغربية تواصل عبر قنوات التعاون مع نظيرتها الإسبانية التحقق من صحة الأنباء بشأن حالات الوفاة، ومن العدد الفعلي للأشخاص المعنيين وهوياتهم وجنسياتهم. وفق إعلام إسباني، ارتفع عدد الجثامين المنتشلة من مياه البحر في سبتة إلى 88.
إجراءات أمنية وشهادات إضافية
السبت الماضي، أفادت مصادر أمنية إسبانية بأن نحو 69 ألفا و500 مهاجر عادوا إلى المغرب بعد دخولهم سبتة خلال الأيام الأخيرة. استكملت السلطات الإسبانية، الأحد، تركيب حاجز أمني عائم بطول 500 متر عند معبر تراخال الحدودي، بهدف الحد من محاولات العبور غير النظامي من الجانب المغربي.
محمد بديدي، المقيم في الفنيدق، يقول إن كثيراً من المهاجرين الذين عبروا إلى سبتة لم يجدوا الظروف التي كانوا يتوقعونها. ويضيف: “لم يتمكن كثيرون ممن عبروا إلى سبتة حتى من الحصول على الماء والخبز، ارتفع سعر رغيف الخبز هناك إلى 5 يوروهات، وقنينة الماء إلى 3 يوروهات”. ويؤكد بديدي أن كثيرين اضطروا إلى العودة لعدم قدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية. وانتقد حرق المركبات وتخريب الأماكن العامة قبالة المعبر الحدودي، قائلاً إن هذه الأحداث أثرت سلباً على سكان الفنيدق. وأشار إلى أنه ينبغي للشباب الراغبين في السفر إلى أوروبا اختيار الطرق القانونية بعد إتمام دراستهم أو اكتساب مهنة، مؤكداً أن للهجرة غير النظامية عواقب وخيمة.
رغم التجربة الصعبة، لا يزال حلم الهجرة يراود شباناً آخرين. إسماعيل إسحاق يقول إنه جاء إلى الفنيدق من طنجة بعدما شاهد أصدقاء ومعارف استطاعوا الهجرة ونجحوا في تحقيق بعض أهدافهم والحصول على عمل مناسب. ويضيف أنه يريد مساعدة والدته عبر تحقيق حلمه، ولذلك يحاول الهجرة. ويوضح أنه قام بمحاولات للهجرة ولم ينجح خلال اليومين الماضيين، وأنه سيواصل المحاولة.
تبعات سياسية وقضائية
الاثنين الماضي، أكد مسؤول مغربي أنه لا يمكن لقاض إسباني أن يقوض منظومة مكافحة الهجرة غير النظامية، ثم يطالب المملكة المغربية بتحمل التبعات. نقلت وكالة المغرب الرسمية تصريحات لمسؤول لم تسمه، عزا فيها أحداث سبتة إلى “قرار قضائي إسباني”، مؤكداً أن “المغرب لم يتخلف يوماً عن الوفاء بالتزاماته أو بمسؤولياته”. وقال إن “قاضياً إسبانياً قرر في الثامن من يوليو الماضي، اعتبار وصول المهاجرين غير النظاميين عن طريق البحر مانعاً من الترحيل التلقائي”، وهو الإجراء الذي يشكل حجر الزاوية في منظومة الردع. وأوضح المصدر أن “قرار القاضي، في نظر شبكات التهريب والاتجار بالبشر والمرشحين للهجرة غير النظامية، يوفر حصانة للوصول غير القانوني عن طريق البحر”. وأعرب عن أسفه لـ”انهيار عنصر الردع في المنظومة وسقوط الحاجز نتيجة لهذا القرار، وليس تحت ضغط المجرمين”. كما أشار إلى أن هذا الحكم “كان معروفاً لدى السلطات الإسبانية، ولم يكن بإمكانها تجاهل كونه يضعف المنظومة برمتها”، متسائلاً: “هل قام أحد بإبلاغ المغرب حتى يستعد؟ لا. وهل استبق أحد العواقب التي كانت متوقعة جداً؟ لا!”. وأضاف أنه “ليس مستغرباً، في ظل هذه الظروف، أن تستغل هذه الشبكات الفرصة”. وخلص المسؤول إلى أن “نقطة التحول تكمن في التباين بين العامل المسبب، وهو قرار القاضي، وردة الفعل المتأخرة”.





