قوة الاقتصاد السعودي في ظل الأزمات: تنوع مصادر الدخل ومرونة مالية

شارك
قوة الاقتصاد السعودي في ظل الأزمات: تنوع مصادر الدخل ومرونة مالية

في الأوقات الهادئة تستطيع الأرقام الاقتصادية أن تقول الكثير، لكن الأزمات وحدها تكشف ما إذا كانت القوة الحقيقية أم مجرد نتيجة لظروف مواتية. ولم يكن عام 2026 هادئاً للسعودية؛ فقد شهدت الحرب في الشرق الأوسط، وشبه توقف حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وتأثر صادرات النفط والتجارة وسلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، ما وضع الاقتصاد السعودي أمام أحد اختبارات الضغط الجدّي في السنوات الأخيرة.

تنوع مصادر الدخل والمرونة الاقتصادية

وأكد صندوق النقد الدولي أن الحرب عطلت التجارة بما فيها صادرات النفط، وضغطت على النشاط غير النفطي والثقة، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى ما أظهره الاقتصاد السعودي من مرونة مدعومة بأساسيات اقتصادية قوية وبنية تحتية متنوعة للنفط والخدمات اللوجستية. ورغم أن ارتفاع أسعار النفط قد يبدو أول ما يخطر في الذهن عند تفسير قدرة اقتصاد منتج للطاقة على مواجهة الأزمة، إلا أن الأرقام تقول إن القصة أوسع من سعر البرميل. فالسؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم ليس كم تملك السعودية من النفط، بل ماذا بنت السعودية حول النفط وخارجه حتى أصبح اقتصادها أكثر قدرة على امتصاص الصدمات. وقد أصابت الأزمة النفط لكنه لم يوقف بقية الاقتصاد؛ فقد تأثر الاقتصاد بالفعل، ولا ينبغي إخفاء ذلك.

وبحسب البيان التمهيدي لميزانية 2027 الصادر في 30 سبتمبر، تشير التقديرات الأولية لوزارة المالية إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 3.6% في 2026 نتيجة انخفاض متوقع للأنشطة النفطية بنحو 21.8%. لكن الصورة الأخرى أكثر دلالة؛ إذ تتوقع الوزارة استمرار نمو الأنشطة غير النفطية بنحو 3.2% خلال العام، وفي النصف الأول من 2026 حققت هذه الأنشطة نمواً بنسبة 1.8% لترتفع مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي إلى مستوى تاريخي بلغ 57.3%. وهذا لا يعني أن الاقتصاد أصبح منفصلاً عن النفط، ولا أن تراجع القطاع النفطي لم يعد مؤثراً، بل يعني أن الصدمة لم تعد تنتقل بالدرجة نفسها إلى جميع أجزاء الاقتصاد؛ فالنفط لا يزال ركيزة قوة لكنه لم يعد يقف وحده في الميدان.

المالية العامة، الدين والاحتياطيات

وتظهر الفكرة نفسها في المالية العامة؛ ففي الربع الثاني من 2026 بلغت إيرادات الميزانية نحو 338.8 مليار ريال، منها نحو 185.1 مليار ريال إيرادات نفطية، ونحو 153.7 مليار ريال إيرادات غير نفطية؛ أي أن الإيرادات غير النفطية مثّلت قرابة 45% من إجمالي إيرادات الربع. أما الصورة طويلة المدى فأكثر وضوحاً؛ إذ يكشف البيان التمهيدي لميزانية 2027 ارتفاع الإيرادات غير النفطية من نحو 166 مليار ريال عام 2015 إلى 505 مليارات ريال عام 2025؛ أي أنها تضاعفت أكثر من ثلاث مرات خلال عقد. وهذا من أهم خطوط الدفاع التي بُنيت خلال السنوات الماضية؛ فالسعودية لم تتوقف عن الاستفادة من النفط، ولا يوجد سبب اقتصادي يدعوها إلى ذلك، لكنها عملت على بناء مصادر أخرى للإيرادات إلى جانبه، والفرق كبير بين اقتصاد يعتمد على النفط وحده واقتصاد يستخدم قوة النفط لبناء مصادر قوة إضافية.

لكن القوة الاقتصادية لا تعني غياب التحديات؛ ففي النصف الأول من 2026 ارتفع العجز المالي، ووصل الدين العام بنهاية يونيو إلى نحو 1.685 تريليون ريال. وهذه أرقام ينبغي ألا نخفيها؛ لأن المصداقية الاقتصادية لا تُبنى بانتقاء المؤشرات الإيجابية، وفي الوقت نفسه لا يُقرأ الدين بحجمه المجرد ولا يُقرأ العجز منفصلاً عن أصول الدولة واحتياطياتها وحجم الاقتصاد والقدرة على الوصول إلى أسواق التمويل ووجهة الإنفاق. ومن هنا تكتسب الأرقام التي حملها البيان التمهيدي لميزانية 2027 أهميتها؛ فالوزارة تتوقع إيرادات بنحو 1.202 تريليون ريال ونفقات بنحو 1.392 تريليون ريال في 2027، مع عجز يقدّر بنحو 3.6% من الناتج المحلي الإجمالي، ضمن سياسة مالية تستهدف الموازنة بين الإنفاق على الأولويات التنموية والمحافظة على الاستدامة المالية، مع استمرار الاقتراض المحلي والدولي وفق استراتيجية الدين متوسطة المدى. أي أن العجز يجري التعامل معه ضمن تخطيط مالي معلن متوسط المدى، وليس باعتباره حدثاً طارئاً خارج الحسابات، ويبقى التحدي في المحافظة على استدامة الدين وكفاءة الإنفاق، خصوصاً إذا طال أمد الاضطرابات أو ظلت تكاليف التمويل مرتفعة.

البنية التحتية، الاستثمار والرؤية المستقبلية

وإلى جانب المالية العامة تأتي الأصول الاحتياطية لدى البنك المركزي السعودي؛ وهنا من المهم التفريق بين الاحتياطي العام للدولة وبين الأصول الاحتياطية الرسمية لدى البنك المركزي؛ فهما ليسا رقماً واحداً. وتوفر الأصول الاحتياطية، إلى جانب الأصول الحكومية والخارجية والسيادية الأخرى، هامشاً مهماً لمواجهة الصدمات والمحافظة على الاستقرار النقدي والخارجي؛ وقد أكد صندوق النقد الدولي في مشاورات المادة الرابعة لعام 2026 أن الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي بقيت عند مستويات مريحة، وقدّر تغطيتها بنحو 13.9 شهراً من واردات السلع والخدمات في 2026. ثم يأتي القطاع المصرفي، وهو أحد الأجزاء التي لا تحظى أحيانًا بالاهتمام الكافي عند الحديث عن قوة الاقتصاد السعودي؛ فموجودات البنوك السعودية تجاوزت خمسة تريليونات ريال، مع قاعدة ودائع تتجاوز ثلاثة تريليونات ريال، وائتمان للقطاع الخاص يتجاوز ثلاثة تريليونات. والأهم من الحجم هو المتانة؛ إذ أشار صندوق النقد إلى أن القطاع المصرفي دخل الأزمة بهوامش قوية من رأس المال والسيولة، مع التأكيد على أهمية مواصلة مراقبة الائتمان ومخاطر التمويل وانكشافات المشروعات الكبرى. وفي الأزمات، قد يكون استمرار الائتمان في الحركة أهم من نمو الأرباح نفسها؛ لأن توقف التمويل هو أحد أسرع الطرق التي تنتقل بها الأزمة من الأسواق إلى الاقتصاد الحقيقي.

وتأتي بعد ذلك مسألة الاستثمار؛ والأهم هنا ألا نخلط بين ثلاثة أشياء: الاستثمار الأجنبي المباشر الذي يدخل فعلياً، والاستثمارات المعلنة، ومذكرات التفاهم والاتفاقيات المستقبلية؛ فالأولى تدفقات اقتصادية فعلية، بينما تمثل الثانية والثالثة خطاً استثمارياً مستقبلياً قد يتحول كله أو بعضه إلى مشروعات وتدفقات لاحقة. ولهذا لا ينبغي جمع مليارات الريالات التي تعلن في المؤتمرات والقول إنها دخلت الاقتصاد السعودي بالفعل، لكنها في الوقت نفسه ليست أرقاماً بلا دلالة؛ فهي تعكس حجم الفرص وقائمة المشروعات المحتملة التي يبقى الاختبار الحقيقي لها في التنفيذ. وخلال 2026 شهدت السعودية اتفاقيات وإعلانات استثمارية كبيرة في التعدين والتقنية والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والصناعة ورأس المال الجريء؛ لكن الرقم الأهم في المرحلة المقبلة ليس ما يُعلن فوق منصات المؤتمرات، بل ما ينتقل منها إلى أرض الواقع: كم يتحول إلى مصانع ومراكز بيانات ومناجم وشركات ووظائف وصادرات وتدفقات استثمارية مستدامة؟ وهنا يصبح الانتقال من جذب الإعلان إلى جذب رأس المال طويل الأجل أحد أهم اختبارات المرحلة المقبلة.

وحين تصبح البنية التحتية خط دفاع؛ ولعل أزمة هرمز قدمت أحد أكثر الأمثلة وضوحاً على معنى الاستثمار المبكر في البدائل؛ فصندوق النقد أشار إلى أن إعادة توجيه النفط عبر خط أنابيب شرق–غرب إلى موانئ البحر الأحمر ساعدت على الحد من انخفاض تسليمات النفط، إلى جانب الاستفادة من المخزونات الخارجية، في وقت تعرضت فيه حركة الشحن عبر مضيق هرمز لاضطراب حاد؛ وهذه نقطة اقتصادية قبل أن تكون لوجستية؛ فالتنويع لا يعني فقط تنويع ما تنتجه الدولة، وإنما أيضاً تنويع الطرق التي تستطيع من خلالها إيصال ما تنتجه إلى العالم؛ وهكذا تصبح الموانئ والطرق وخطوط الأنابيب ومراكز التخزين والخدمات اللوجستية جزءاً من منظومة الأمن الاقتصادي، لا مجرد مشروعات بنية تحتية.

وجاء الخطاب الملكي السنوي أمام مجلس الشورى في 30 سبتمبر 2026، الذي ألقاه ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان نيابةً عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ليضع كثيراً من هذه التحولات في سياقها الأوسع؛ فالمتعامل لم يتعامل مع رؤية السعودية 2030 باعتبارها مشروعاً مستقبلياً فحسب، بل قدم حصيلة عشر سنوات من العمل، مستعرضاً ما تحقق في التنويع الاقتصادي ودور القطاع الخاص والصادرات غير النفطية والنقل والخدمات اللوجستية، وربط بين الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز القدرة على التعامل مع الأزمات؛ وهنا يلتقي مضمون الخطاب مع ما تقوله الأرقام؛ فالمتانة الاقتصادية لا تعني أن تكون جميع المؤشرات إيجابية، وإنما أن يمتلك الاقتصاد القدرة على امتصاص الصدمة ومواصلة الحركة؛ فالقطاع النفطي تعرض لضربة، والنمو الكلي تأثر، والعجز ارتفع، والدين ازداد، والتجارة والاستثمار واجها ضغوطاً؛ ومع ذلك استمر النشاط غير النفطي في النمو، وظل الجهاز المصرفي متماسكاً، وبقي التمويل متاحاً، وظلت الاحتياطيات والأصول والبنية التحتية المتنوعة توفر هوامش للحماية.

غير أن اجتياز اختبار 2026 لا يعني اكتمال الطريق؛ فالمرحلة المقبلة تتطلب المحافظة على الاستدامة المالية ورفع كفاءة الإنفاق، مع توجيه الاقتراض إلى المشروعات ذات العائد الاقتصادي والتنموي، وإدارة آجال الدين وتكاليفه بما يحافظ على المرونة المالية؛ وفي الاستثمار يصبح التحدي أكثر وضوحاً: تحويل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم والإعلانات المليارية إلى مصانع ومراكز بيانات ومناجم وشركات ووظائف وتدفقات استثمارية فعلية؛ وأما لوجستياً، فقد أثبتت الأزمة أن الاستثمار في البدائل ليس ترفاً؛ ومن هنا تبرز أهمية مواصلة رفع كفاءة موانئ البحر الأحمر، وشبكات النقل والتخزين، ومسارات تصدير الطاقة البديلة، بما يمنح الاقتصاد خيارات أكثر عند تعطل أحد الممرات الحيوية؛ وفي القطاع المالي، يبقى الحفاظ على سيولة البنوك وقدرتها على تمويل القطاع الخاص مهمًا، مع مراقبة نمو الائتمان ومخاطر التمويل، وتوسيع قنوات التمويل عبر أسواق الدين ورأس المال حتى لا تتحمل البنوك وحدها عبء تمويل دورة الاستثمار المقبلة؛ وهي في جوهرها ليست بداية مسار جديد بقدر ما هي اختبار للانتقال من بناء أدوات المرونة إلى ترسيخها واستدامتها؛ ومن النفط إلى منظومة القوة؛ لهذا ربما يكون الخطأ الأكبر عند قراءة الاقتصاد السعودي اليوم هو اختزاله في سؤال واحد: ماذا حدث لسعر النفط؟ فالمبرميل لا يزال مهمًا، وسيظل عنصرًا رئيسًا في الاقتصاد السعودي لسنوات طويلة؛ لكن حول ذلك البرميل نشأت منظومة أوسع: إيرادات غير نفطية، وقطاع خاص أكبر، وبنوك قوية، واحتياطيات وأصول، وصندوق استثمارات سيادي، وأسواق دين وتمويل، وبنية تحتية للطاقة واللوجستيات، واستثمارات دولية، وقطاعات جديدة تمتد من التعدين والسياحة إلى التقنية والذكاء الاصطناعي؛ ولهذا فإن قوة الاقتصاد لا تعني ألا تصل إليه العاصفة؛ فلا يوجد اقتصاد كبير في العالم لا يتأثر بحرب أو اضطراب في الطاقة والتجارة؛ والقوة الحقيقية هي: ماذا يحدث بعد وصول العاصفة؟ هل تتوقف البنوك؟ هل تنضب السيولة؟ هل تتعطل قدرة الدولة على التمويل؟ هل يتوقف الاستثمار؟ وهل تسقط القطاعات الأخرى مع القطاع المتضرر؟ أم تكون هناك خطوط دفاع أخرى؟ وما تكشفه أرقام 2026 حتى مطلع أكتوبر هو أن السعودية تأثرت بالأزمة، لكنها واجهتها باقتصاد أصبح يمتلك أكثر من خط للدفاع وأكثر من محرك للحركة؛ وهذه المتانة، بفضل الله أولًا، ثم بما تراكم من إصلاحات واستثمارات وبناء مؤسسي خلال السنوات الماضية، هي إحدى أهم ثمار التحول الاقتصادي الذي تشهده السعودية؛ فالنجاح ليس أن تصبح السعودية اقتصادًا بلا نفط؛ فهذا ليس هدفًا منطقيًا لدولة تمتلك إحدى أهم ثروات الطاقة في العالم؛ والنجاح أن يبقى النفط مصدر قوة، دون أن يبقى المصدر الوحيد للقوة؛ وهنا ربما يكون اختبار 2026 قد قال عن التحول الاقتصادي السعودي أكثر مما تستطيع أن تقوله سنوات كاملة من الظروف الطبيعية؛ مصطفى محمد القرشي

أعجبك الخبر؟ شاركه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *