ظلت جدة عبر قرون بوابة الحجاج والمعتمرين إلى مكة المكرمة، وميناء تجاريا رئيسيا على البحر الأحمر، ومدينة عرفت بانفتاحها وتنوع سكانها. واليوم تعيش عروس البحر الأحمر مرحلة جديدة من التحول، إذ تضعها رؤية المملكة 2030 في قلب خطط تطوير قطاع السياحة، إلى جانب الساحل الغربي الممتد الذي يشهد مشروعات كبرى تستهدف جعل المملكة وجهة عالمية.
وقد أطلقت المملكة رؤيتها عام 2016، ومن أبرز مستهدفاتها تنويع مصادر الدخل بعيدا عن النفط، ورفع إسهام السياحة والثقافة والترفيه في الاقتصاد، وتحسين جودة الحياة. ويمكن للقارئ الاطلاع على برامج الرؤية ومستهدفاتها عبر الموقع الرسمي لرؤية السعودية 2030.
وتتابع المنصات المتخصصة في اخبار السعودية هذه التحولات المتلاحقة في جدة ومنطقة مكة المكرمة، من إطلاق المشروعات إلى افتتاح المرافق الجديدة واستضافة الفعاليات، وهو ما يعكس حجم الاهتمام الذي تحظى به المدينة محليا وإقليميا.
جدة التاريخية: إحياء ذاكرة المدينة
في قلب المدينة تقع منطقة جدة التاريخية، المعروفة شعبيا باسم البلد، والتي سُجلت في قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو عام 2014. وتضم المنطقة بيوتا تقليدية مبنية من الحجر المنقبي، تتميز بالرواشين الخشبية المزخرفة التي كانت توفر الظل والتهوية، إلى جانب الأسواق القديمة والمساجد التاريخية والأزقة الضيقة التي تحكي قصة المدينة التجارية.
وتحظى المنطقة باهتمام رسمي متزايد عبر برامج لإعادة تأهيل المباني التاريخية وترميمها، وتحويل بعضها إلى مساحات ثقافية ومتاحف ومقاه ومحال حرفية، مع الحفاظ على طابعها المعماري الأصيل. كما أصبحت البلد مسرحا لفعاليات ثقافية وفنية بارزة، من بينها مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي الذي تستضيفه جدة منذ انطلاقه.
ويمنح هذا التوجه الزائر تجربة تجمع بين التراث والحياة المعاصرة، إذ يمكنه التجول في البيوت التاريخية نهارا، ثم حضور عرض فني أو أمسية ثقافية في المساء، وهو ما يعزز مكانة جدة وجهة للسياحة الثقافية إلى جانب كونها محطة للسياحة الدينية.
ومن أبرز معالم البلد التي يقصدها الزوار بيت نصيف، الذي يُعد من أشهر البيوت التاريخية في المدينة، وسوق العلوي وسوق الندى، ومسجد الشافعي الذي يُعد من أقدم مساجد جدة. كما تحتفظ المنطقة بآثار من سور جدة القديم وبواباته، التي كانت تحدد مداخل المدينة قبل توسعها الحديث، ويحرص كثير من الأدلاء المحليين على تنظيم جولات مشي تعرّف الزائر بتاريخ هذه المعالم وحكاياتها.
مشروع البحر الأحمر: سياحة فاخرة بمعايير الاستدامة
على الساحل الشمالي الغربي للمملكة، يقع مشروع البحر الأحمر الذي تطوره شركة البحر الأحمر الدولية، المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة. ويمتد المشروع على مساحة واسعة تضم جزرا بكرا وشواطئ وشعابا مرجانية وجبالا وكثبانا رملية، ويستهدف تقديم تجربة سياحية فاخرة مع التركيز على حماية البيئة والاعتماد على الطاقة المتجددة.
وقد بدأت أولى منتجعات المشروع استقبال الزوار في مرحلته الأولى، فيما تتواصل أعمال التطوير في المراحل اللاحقة. وإلى جانبه تطور الشركة ذاتها مشروع أمالا، كما تشهد سواحل البحر الأحمر مشروعات أخرى ضمن منظومة المشروعات الكبرى في المملكة، ما يجعل الساحل الغربي واحدا من أكثر مناطق العالم نشاطا في تطوير الوجهات السياحية الجديدة.
ويرى متابعون أن هذه المشروعات تتكامل مع جدة بدلا من أن تنافسها، إذ تبقى المدينة بمطارها الدولي ومينائها وبنيتها الخدمية نقطة انطلاق طبيعية لكثير من الزوار القادمين إلى الساحل.
ويمنح البحر الأحمر نفسه المنطقة ميزة طبيعية فريدة، إذ تشتهر مياهه بشعابه المرجانية وتنوع حياته البحرية، ما يجعله مقصدا لهواة الغوص والغطس. وتنشط في جدة منذ سنوات مراكز الغوص والرحلات البحرية، وهو نشاط مرشح للتوسع مع تطور الوجهات الساحلية الجديدة، شريطة الالتزام بمعايير حماية البيئة البحرية التي تؤكد عليها المشروعات الحديثة.
البنية التحتية والفعاليات: عناصر التحول
لا يكتمل التحول السياحي دون بنية تحتية قادرة على استيعاب الزوار، وفي هذا السياق شهدت جدة تطورات مهمة، أبرزها:
- الصالة الجديدة في مطار الملك عبدالعزيز الدولي، التي عززت قدرة المطار على استقبال المسافرين.
- قطار الحرمين السريع الذي يربط جدة بمكة المكرمة والمدينة المنورة ومدينة الملك عبدالله الاقتصادية.
- تطوير الواجهة البحرية والكورنيش بوصفهما متنفسا رئيسيا للسكان والزوار.
- مرافق رياضية كبرى مثل مدينة الملك عبدالله الرياضية.
كما رسخت جدة حضورها على خريطة الفعاليات العالمية، إذ تستضيف حلبة كورنيش جدة سباق جائزة السعودية الكبرى للفورمولا 1، إلى جانب موسم جدة الذي يقدم عادة برامج ترفيهية وثقافية متنوعة، والبطولات الرياضية والمؤتمرات التي تجتذب جمهورا من داخل المملكة وخارجها.
جدة في سياقها الخليجي
يأتي تحول جدة في سياق إقليمي أوسع تتنافس فيه مدن الخليج على استقطاب السياح والاستثمارات، من خلال المهرجانات والمتاحف والوجهات الساحلية. ويتابع القارئ هذا الحراك الإقليمي عبر منصات اخبار الخليج التي ترصد تجارب دول المنطقة في تطوير قطاع السياحة وتنويع اقتصاداتها، ما يتيح المقارنة بين النماذج المختلفة.
وتمتلك جدة في هذا السباق مزايا يصعب تكرارها، أبرزها موقعها بوابة للحرمين الشريفين، وإرثها التاريخي الموثق عالميا، وواجهتها البحرية الطويلة، إضافة إلى قربها من الوجهات الجديدة على ساحل البحر الأحمر.
وفي المحصلة، تبدو جدة اليوم مدينة تعيد صياغة هويتها دون أن تتخلى عن جذورها، فهي تحافظ على دورها الديني والتجاري التاريخي، وتضيف إليه أبعادا ثقافية وسياحية وترفيهية جديدة، في انسجام مع مستهدفات رؤية 2030 التي تراهن على الإنسان والمكان معا.






