المنهج الأنثروبولوجي والنتقادات
المقالة ليست سردًا تاريخيًا لقبيلة أو شعب معين، بل محاولة لتفسير مشهد ثقافي يتكرر أمامنا: رقص جماعي يجمع الرجال والنساء في مجتمعات تشتهر بحساسية عالية تجاه الاختلاط. وهذا سؤال أنثروبولوجي، ليس تاريخيًا ولا أيديولوجيًا.
والكاتب لا يلوم الآخرين بل يلوم نفسه لعدم الإشارة إلى ذلك في مستهل مقاله، رغم رهانه على فهم القارئ وإلمامه بالحد الأدنى من الحقول المعرفية؛ ذلك الرهان غير الموفق هو ما أوقعه في حرج مع من يخلطون الأدوات والمناهج، فيترافعون ويقاتلون بشروط كرة القدم داخل ملعب شطرنج، وصولاً إلى أساليبهم في التواصل معه عبر «الفهلوة الثقافية» التي تعتمد في مرجعيتها العلمية على «جلسة شاي سكر زيادة».
ويقبل هذه الردود بصدر رحب، فهو لا ينتمي إلى الدوغمائية الأكاديمية المغلقة على نفسها وأساليبها المدرسية الجامدة، ولهذا تطربه كل الردود التي وصلت لكسر جدار السكولائية/المدرسانية التي تعيشها الأكاديمية العربية حتى الآن، حتى ولو كانت الردود في معظمها تعتمد على الفهلوة الفكرية والحذلقة اللغوية.
والتراكم الكمي للمفردات والمعلومات عند «الحافظين كويس» قد يحدث تغيرًا نوعيًا باتجاه الفهم ولو بعد حين، بشرط بسيط لكنه عزيز، وهو الكتابة بإخلاص في سبيل سؤال «الحرية والعلم»، لا في سبيل أزِقّة «المناكفة».
فالطب الأول كان شعوذات لفظية وتمتمات للسحرة قبل آلاف السنين، والطب الآن منهج علمي صارم، ولهذا قلبه يتسع لكل ما وصله من ردود على اختلاف مقامها أدبًا وعلمًا.
ولأن المقالة عبارة عن «محاولة أنثروبولوجية» لا علاقة لها بالتاريخ الاجتماعي، فقد ضاعت ردود على مقال غير موجود أصلاً، وحتى ما ورد من توصيفات تجاهه، التي سببها «الهابيتوس الصحوي/أي البنية الذهنية المتوارثة من زمن الصحوة»، لا يهتم لها ويستطيع تفهمها، علمًا بأنه يحترم كل التوجهات الأيديولوجية: ليبرالية، إسلامية… الخ، ما دامت تحترم وتؤمن بقيم الدولة الوطنية الحديثة.
وهل يعني هذا أن الردود التي وصلت إليه بتنوعاتها في القسوة أو اللطف غير مفيدة؟ على العكس، هي مفيدة ومثرية، لأنها مستغرقة بنظرة ميكروسكوبية إلى التاريخ الاجتماعي لمدينة أبها، بدلاً من الموائد الثقيلة للأنثربولوجيا التي يعسر على كثير من القرّاء هضمها.
شهادات تاريخية عن أبها
ولأجل هذا الاهتمام الميكروسكوبي من قبل بعض القرّاء، سيصبح ناقلًا لشهادات تاريخية، وكانت نيته أن يبدأ بنقل ما كتبه علامة الجزيرة العربية حمد الجاسر عن حياته في خميس مشيط وأبها قبل ما يزيد على تسعين عامًا، باعتبارها شهادة للتاريخ في كتابه «من سوانح الذكريات»، (ص356-359).
لكن لن يحتملوا ما أورده الجاسر في ذكرياته بسبب «الهابيتوس الصحوي» الضاغط على وعي بعض القراء، وهذا يجعله يحيلهم إلى ما نقله مشعل السديري عن حمد الجاسر في مقاله المنشور بموقع «العربية» عام 2014م بعنوان لافت ومعبر: «نعيب زماننا والعيب فينا» لمن كان كسولاً في الرجوع إلى كتاب الجاسر.
ولينتقل إلى شهادة تاريخية أقل إرباكًا وأخف وطأة على عقل القارئ الذي يعاني «الهابيتوس الصحوي» جاءت على لسان مجلة «العربي» في العدد 128 (يوليو 1969م ص79 ص82) تحت عنوان: «اعرف وطنك أيها العربي: أبها عاصمة عسير». حيث ورد ما يلي:
« قصة المرأة في أبها: وقصة تطور المرأة في أبها تختلف عن قصص تطور المرأة العادية في مختلف بلاد العالم.. كانت معظم نسائنا إلى عشر سنوات مضت يسرن سافرات دون حجاب، ويختلطن بالرجال في نطاق حدود العائلة، وكانت أبها بمثابة عائلة كبيرة يسيطر عليها جو الأسرة الواحدة.. وكان عدد سكانها لا يتجاوزون خمسة آلاف نسمة.. وذاع صيت أبها من ناحية طيب المناخ، وارتفاعها الشاهق، وكثرة غاباتها وجبالها المكسوة بالخضرة طوال السنة… فضلا عن الاختلاط الأسري الذي لم يكن له مثيل في أي مكان آخر بالمملكة السعودية… وجاءنا الناس من كل مكان من القصيم، والرياض، والخرج، وسدير، والمدينة، ومكة، والطائف… وزهران.. جاء كل منهم إلى أبها حاملاً معه عاداته وتقاليده.. ومن بينها الحجاب يضعونه على وجوه نسائهم.. وبدلا من أن تنطبق عليهم عاداتنا وتقاليدنا، فرضوا هم عاداتهم علينا.. ومن بينها حجاب الوجه.. فرضوه على كل امرأة في أبها… وفي السوق يقف بعض الرجال يفرضون الحجاب على البدويات السافرات القادمات من البادية على ظهور جمالهن».
« إلى الخلف.. سر» : وهذا التطور العكسي للمرأة دفع جريدة عكاظ… إلى كتابة مقال جاء فيه:« كانت المرأة في أبها تشارك الرجل في عمله تزرع وتحطب وتسقي، وتتحدث مع الرجل في جرأة وشجاعة، كل هذا يتم في أدب واحترام متبادلين.. قيل عنها وقيل.. وأصبح ما قيل في حكم القصص، يحكيها الشيخ فيتحسر، ويتناقلها الشاب ويتأسف.. وتجمع الآراء على أنهم فقدوا ذلك التقليد وأضاعوا تراثاً مجيداً وعادة طيبة كانت القبائل وبقية الأقاليم يحسدونهم عليها، بدلاً من أن يطوروا هذا المفهوم أصبحوا يعيشون على مبدأ «إلى الخلف سر…». وأصبحت المرأة تفزع لقدوم الرجل.. أو تداري نفسها وتشيح بوجهها…» .
حصار: لقد أخرجت الحال التي آلت إليها المرأة في أبها، جريدة عكاظ عن وقارها.. لأن مندوبها وكذلك أغلب أهل الرياض كانوا يعتقدون بما كتبه المؤلفون في جميع كتبهم من أن أبها هي المنطقة الوحيدة في المملكة السعودية التي تسير فيها المرأة سافرة..
وحول بعثة العربي كان المطوعون بخيزراناتهم الرفيعة وع dizaines الأطفال، يحصون علينا كل خطوة وكل حركة، ويقفون سدا بشرياً ليحولوا بين مصورنا وبين كل امرأة تبيع في السوق…» انتهى النقل عن مجلة العربي.
تجاوز الهابيتوس وتصور الآخر
وأخيرًا فإن من يستطيع تجاوز «الهابيتوس الصحوي» سيتفاجأ بقدرته على رؤية الآخر فيه، ذلك الآخر الذي قد يكون من قرى كردستان أو من بيروت أو صنعاء أو جبال الأطلس، فالهابيتوس الصحوي هو الصانع الأول – خلال العقود الماضية – لما يسمى «الهويات القاتلة» بمختلف مستوياتها الطائفية والإثنية، وهو ما جعلنا نرى العالم بعيون خائفة من ذاتها قبل أن تخاف من الآخر، ومن يتجاوز هذا «الهابيتوس» لا يكتشف الآخر فقط، بل يكتشف الإنسان في داخله.





