«المنتخب لا يحتمل التجارب»
في المنتخبات الوطنية لا يوجد متسع كبير للتجارب الطويلة، ولا مساحة واسعة للأخطاء المتكررة.
الوقت قصير، والاستحقاقات قريبة، وطموح الجماهير أكبر من أن يُختزل في عبارات دبلوماسية أو وعود مؤجلة. لذلك فإن ما يحدث حاليًا مع المنتخب السعودي يثير تساؤلات مشروعة حول طريقة العمل الفني، لا من باب الهجوم، بل من باب القلق الحقيقي على هوية الأخضر قبل كأس العالم.
المدرب هيرفي رينارد يملك سيرة ذاتية محترمة وتجربة سابقة ناجحة مع المنتخب، لكن ما نشاهده اليوم مختلف تمامًا عمّا عهدناه في فترته الأولى. التخبط لا يظهر فقط في النتائج، بل في القرارات التي تسبقها.
أبرز هذه القرارات كان إعلان قائمتين ضمتا قرابة 50 لاعبًا، بحجة الرغبة في مشاهدة أكبر عدد ممكن من العناصر. على الورق قد تبدو الفكرة منطقية، لكن على أرض الواقع فقدت معناها تمامًا. القائمة الثانية لم تكن تحت إشرافه المباشر بل تحت قيادة مدرب المنتخب الأولمبي، وكان من المفترض أن تمثل هذه القائمة “B” الرافد الطبيعي للقائمة الأساسية “A”. لكن المفاجأة أن بعض الأسماء قفزت مباشرة إلى القائمة الأساسية دون المرور بالقائمة الثانية أصلًا. هنا يبرز السؤال المنطقي: ما فائدة القائمة الثانية إذا لم تكن هي المسار الطبيعي للاختيار؟
هذا النوع من القرارات لا يمنح اللاعبين الثقة، بل يزرع لديهم الحيرة. اللاعب لا يعرف ما هو الطريق الواضح للوصول إلى المنتخب الأول، والجماهير لا تفهم آلية الاختيار، والإعلام يجد نفسه أمام قرارات يصعب تفسيرها. في المنتخبات، الوضوح مهم بقدر أهمية الأداء داخل الملعب.
التخبط لا يقف عند القوائم، بل يمتد إلى داخل الملعب. شاهدنا لاعبين يُوظَّفون في غير مراكزهم الأساسية، وآخرين يُستدعون ثم لا يحصلون على دقائق لعب كافية، وأسماء ثابتة رغم تراجع مستواها. هذا ليس تنويعًا تكتيكيًا بقدر ما هو فقدان للهوية الفنية. الفريق يبدو وكأنه يبحث عن طريقته الخاصة بدل أن يفرضها.
الأمر الأكثر إثارة للجدل كان في التصريحات. عندما يرد المدرب على أحد الإعلاميين بقوله: «لو كنت مكاني لكنت فخورًا بالتأهل مرتين لكأس العالم»، فإن الرسالة التي تصل للجماهير مختلفة تمامًا. نعم، التأهل للمونديال إنجاز يُحترم، لكن هل هذا هو سقف الطموح؟ هل نسي المدرب أن أول مشاركة سعودية في كأس العالم شهدت الوصول إلى دور الـ16؟ وأن الجماهير السعودية اعتادت أن ترى منتخبها منافسًا لا مجرد مشارك؟
المشكلة هنا ليست في العبارة بحد ذاتها، بل في ما تعكسه من عقلية. وكأن الهدف أصبح مجرد الوصول، لا المنافسة. وكأن الطموح توقف عند التأهل، لا عند تقديم صورة تليق بتاريخ المنتخب.
هل من الممكن أن يكون رينارد فقد الشغف؟ سؤال قد يبدو قاسيًا، لكنه مشروع. المدرب الذي كان في فترته الأولى حاضرًا ذهنيًا وتكتيكيًا في كل تفصيلة، يبدو اليوم أقل حدة، أقل وضوحًا، وأقل تأثيرًا. كرة القدم لا ترحم، والمدرب الذي يفقد شغفه يفقد معه نصف أدواته.
المنتخب اليوم لا يحتاج إلى تجارب موسعة، ولا إلى قوائم طويلة، ولا إلى تصريحات مطمئنة. يحتاج إلى وضوح:
من هم اللاعبون الأساسيون؟
ما هي الطريقة الفنية الثابتة؟
ما هو المسار الواضح للاختيار؟
الجماهير لا تطلب المستحيل، لكنها تطلب أن ترى منتخبًا يعرف ماذا يريد. أن ترى هوية داخل الملعب، وانسجامًا في القرارات، وطموحًا يتجاوز مجرد الوجود في كأس العالم.
الوقت ما زال متاحًا للتصحيح، لكن ليس بالكلام، بل بالفعل. فالأخضر مقبل على استحقاق لا يحتمل التخبط، ولا يسمح بأنصاف الحلول. والتاريخ علمنا أن المنتخب السعودي عندما يملك وضوحًا في الرؤية، يستطيع أن يفاجئ الجميع.
أما عندما يغيب هذا الوضوح…
فحتى الأسماء الكبيرة لا تنقذ الموقف.
جدة 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.
