Novel Audio Book P1 1

“الارتحال الأخير”: حين يصبح المستقبل سجنًا فاخرًا والذكاء الاصطناعي قاضيًا؟

في روايته “الارتحال الأخير”، يغوص بنا الكاتب محمود أغيورلي في كابوس مستقبلي، عالم تمزقه ندوب الاحتباس الحراري ليقسمه إلى قسمين: مدن آمنة تنعم برفاهية زائفة وعالم خارجي يتضور جوعًا ويئن تحت وطأة الكوارث. عبر عيون شخصيات عالقة بين هذين العالمين، نتساءل: هل هذا المصير هو مجرد رؤية تحذيرية أم نهاية حتمية فرضها إهمالنا؟

تبرز في الرواية فكرة مؤلمة: مسؤولية الإنسان المباشرة عن هذا الخراب. على لسان أحد الشخصيات، نسمع صدى هذا الاعتراف المرير: “نحن من صنعنا كل هذا بأيدينا، ليس النظام”. هذه الجملة تفتح نافذة على تساؤل مركزي يلوح في الأفق: هل سيقودنا استهتارنا بكوكبنا إلى نقطة نفقد فيها السيطرة، ليصبح الذكاء الاصطناعي، بقدرته الحسابية الهائلة، هو الجهة “الأكثر أهلية” لإدارة ما تبقى من موارد؟ هل سيتحول هذا الكيان غير العاطفي إلى قاضٍ يحكم مصائرنا بناءً على معايير بقاء صارمة، بعد أن فشلنا نحن في الحفاظ على التوازن؟

وإذا ما وصلنا إلى تلك اللحظة، لحظة فقدان السيطرة على مصير كوكبنا، فمن سيكون الأجدر بالقيادة؟ هل سيكون الذكاء الاصطناعي، بمنطقه البارد وقدرته على تحليل البيانات الضخمة، هو المنقذ؟ أم أن غياب الحس الإنساني والتعاطف لديه سيجعله حاكمًا مستبدًا، وإن كان “كفؤًا” من الناحية التقنية؟ الرواية، وإن صورت نظامًا آمنًا منفصلًا، تترك هذا السؤال معلقًا، لتجبر القارئ على مواجهة احتمالية تسليم مقاليد الأمور لكيان ربما يفتقر إلى جوهر الإنسانية.

في المقابل، تصور الرواية حياة في “المدن الآمنة” تبدو للوهلة الأولى جنة من الرفاهية والاكتفاء الذاتي. لكن سرعان ما يتبدد هذا الوهم أمام وحشة الانفصال عن العالم الحقيقي وعن التجارب الإنسانية الأصيلة. هل يمكن لمدن توفر كل شيء بصورة تخيلية أن تشبع الروح البشرية؟ كيف ستتفاعل مجتمعات تعيش في كنف “مادية تخيلية” مع فقدان اللمسة الحقيقية للعالم؟ لجوء نادين إلى علاقات عابرة في “غرف الخصوصية” وتخيلها لشخص غائب قد يكون مؤشرًا على هذا الفراغ الروحي، وعلى البحث اليائس عن اتصال إنساني حقيقي في عالم فقد الكثير من معانيه الملموسة. هل تتحول هذه المدن الفاضلة إلى سجون ذهنية، حيث يُستبدل جوهر الحياة بتعويضات رقمية باهتة؟

أخيرًا، يطرح بناء هذه المدن الآمنة سؤالًا وجوديًا حول ما إذا كان عزل الإنسان عن حكم كوكب الأرض هو الحل الوحيد لتجنب الانقراض. هل يمثل هذا الانفصال اعترافًا ضمنيًا بفشلنا في التعايش مع كوكبنا؟ وهل يمكن اعتبار هذه الفقاعات المعزولة نموذجًا مستدامًا للمستقبل، أم أنها مجرد إجراء يائس لتأخير الكارثة؟ وصول آدم وحيدًا إلى هذه المدن، بعد رحلة عذاب وفقدان، يثير الشكوك حول جدوى هذا الحل “الأخير”، ويسلط الضوء على الثمن الباهظ الذي قد ندفعه مقابل وهم الأمان في عالم ينهار.

إن “الارتحال الأخير” ليست مجرد قصة خيال علمي، بل هي صرخة تحذير مدوية. إنها تدعونا للتفكير بعمق في مسارنا الحالي، وفي العلاقة المتدهورة بيننا وبين كوكبنا. إنها تسائلنا عن معنى التقدم الحقيقي، وعن المخاطر المترتبة على إهمالنا لقيمنا الإنسانية الأساسية. قبل أن يصبح “الارتحال الأخير” حقيقة واقعة، هل سنتمكن من استعادة زمام المبادرة وتغيير مسارنا نحو مستقبل أكثر استدامة وإنسانية؟

جدة 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.

اخبار تهمك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *