إبراهيم الحصيّن.. الأخلاق والطّيبة
عندما كنت أصلي -أحياناً- بجامع الإمام تركي بن عبدالله قبل تطوير منطقة وسط الرياض وقبل البناء الجديد لهذا الجامع، كنت أرى شخصاً قد تجاوز 60 عاماً، يلازم المفتي الشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمه الله-، حيث كان هذا الرجل يقود ابن باز ثم بعد الصلاة يعاود الإمساك به ليذهبا إلى السيارة، حيث منزل الشيخ أو إلى مكتبه، وتكرر هذا المنظر كثيراً آنذاك، وسألت من سألت من طلبة العلم فقالوا لي أن هذا هو الشيخ إبراهيم بن عبدالرحمن الحصيّن ملازم الشيخ ابن باز، وبمثابة مدير مكتبه، وكان يقرأ عليه المعاملات والرسائل الواردة، ويملي عليه الرد عليها، وكان هذا الرجل له مكانة كبيرة عند المفتي، وقد لازمه سنوات كثيرة منذ أن كان الشيخ ابن باز نائباً لرئيس الجامعة الإسلامية، ثم بعد ذلك رئيساً لها، كان مخلصاً صادقاً أميناً حازماً في عمله، لهذا اعتمد عليه كثيراً ووثق في أمانته، وأنه من ذوي الكفاءة في العمل الإداري، وفي كل ما يوكل إليه، وكتب د. عبدالعزيز السدحان سيرة لطيفة عنه، جسدت معالم وسيرة الحصيّن، الذي كان يعمل بصمت وهدوء طيلة حياته، وهكذا المخلصون الذين يبتغون الدار الآخرة، لا يمكن أن يتحدثوا عن أعمالهم؟ فإبراهيم الحصيّن من هؤلاء الذي نحسبه كذلك والله حسيبه، فمنذ الجامعة الإسلامية هو مع المفتي ثم الالتحاق به في الرياض حتى رحيله، وهو يعمل بجد واجتهاد حتى داهمه المرض الذي كان سبباً في وفاته عام 1410هـ.
في هذه الأسطر نعرض بعضاً من مسيرة الحصيّن التي لا يعرفها الكثير من القراء، وقد استفدت من كتاب د. عبدالعزيز السدحان في هذه السيرة.
هو إبراهيم بن عبدالرحمن بن عبدالعزيز الحصيّن، ولد في مدينة شقراء عام 1338هـ، وقد تعلم في الكتاتيب هناك، وتعلم عند القاضي عبدالعزيز بن إبراهيم بن عبداللطيف.
علم ومعرفة
وذكر د. عبدالعزيز السدحان مشايخ إبراهيم الحصيّن -رحمه الله- والذين درس عليهم، واستقى من علومهم، ونهل من معارفهم، وهم كالتالي إبراهيم عبداللطيف وولده الذي سبق ذكره، والقاضي محمد الشاوي، والقاضي عبدالرحمن بن عودان، والقاضي محمد البوادري، وكذلك القاضي عبدالرحمن بن فارس، وصالح بن جارد، والقاضي صالح بن غصون، وعبدالرحمن بن حنطي، وكان والده من طلبة العلم، ونسخ عدة كتب وبينه وبين الشيخ عبدالرحمن بن سعدي مراسلات.
وسرد المؤرخ عبدالله البسام -رحمه الله- في كتابه (علماء نجد خلال ثمانية قرون) طلبة من أسرة آل حصين، وهم أحمد بن محمد الحصين، وهو من علماء آخر القرن الحادي عشر الهجري، وحفيده محمد بن عبدالله الحصين، وقاضي الوشم عبدالعزيز بن عبدالله الحصين، والقاضي محمد بن عبدالله الحصين، وعبدالله بن إبراهيم الحصين أمير سدير -وهو طالب علم- والعالم المشهور صالح بن عبدالرحمن الحصين وهو شقيق شخصيتنا، إلى جانب سعد بن عبدالرحمن الحصين من الدعاة والوعاظ.
الانتقال للمدينة
وكان إبراهيم الحصيّن -رحمه الله- قد دَرّس في المدرسة السعودية بشقراء مدة من الزمن ليست قصيرة حتى انتقل إلى المدينة المنورة، فهو من رواد التعليم الأوائل بمنطقة الوشم، وكان محباً للعلم، وكانت هناك دروس علمية في شقراء مسائية يتدارس فيها الفقه والعقيدة واللغة العربية وكان ذلك عند قاضي شقراء محمد البواردي.
وعندما انتقل الحصيّن مع والده إلى المدينة المنورة بعدما استقال من التدريس رغبةً في مصاحبة والده الذي تقاعد من العمل الحكومي مما كان من شخصيتنا إلاّ أن استقال من العمل براً بوالده؛ لأنه لا يقدر أن يتركه وكان ملازما ًله ملازمة الظل، لهذا ضحى بوظيفته، وفي المدينة قدّم على عمل بفرع رئاسة تعليم البنات هناك، لكن طلبه قوبل بالرفض، لكن العوض من الله عز وجل جاء إليه كالبرق، فلقد عيّنه الشيخ عبدالعزيز بن باز مديراً لقسم الامتحانات 1381هـ بالجامعة الإسلامية.
حِلم وصبر
ومن هذا التاريخ أصبح إبراهيم الحصيّن -رحمه الله- قريباً من الشيخ ابن باز، وامتدت العلاقة بينهما، ليست فقط في الجامعة، فبعد صلاة الفجر تذهب شخصيتنا إلى منزل الشيخ ابن باز وكذلك بعد العصر وبعد العشاء، وكان الغرض من هذه الزيارات اليومية إعانة الشيخ ابن باز في أعماله الكثيرة، من قضاء حوائج الناس التي ترد عليه، ومع هذه السنوات مع الشيخ ابن باز اكتسب الكثير من أخلاقه ومن علمه، والملازمة الدائمة يتأثر بها صاحبها، وهو كل يوم يرى ويشاهد أخلاق وشمائل الشيخ ابن باز، وكيف يتعامل مع الناس على مختلف طبقاتهم وعقولهم، وهذا مكسب كبير للحصين، ومهارات نالها من هذه الصحبة.
لقد تعلّم شخصيتنا من مدرسة الشيخ ابن باز الكثير، تعلم الحِلم على الناس والإلحاح منهم، وكما قيل صاحب الحاجة أعمى، وكذلك بعض فظاظة السائلين وغلظتهم وسوء أدبهم، وكل ذلك يتطلب الحِلم الذي هو سيد الأخلاق، تعلم الصبر، فكل اليوم زاخر بالأعمال، وتعلم الحزم وعدم تأجيل الأعمال، فكل عمل ينجز في يومه، وتعلم احتساب الأجر في خدمة الناس وقضاء حوائجهم، وأنها من أفضل الأعمال الصالحة، فالشيخ ابن باز هكذا كان طبعه منذ أن تولى رئاسة الجامعة الإسلامية، وهو في هذا الميدان العظيم يقضي حوائج المسلمين التي ترد إليه حتى رحيله.
أخلاق طيبة
وأصبح إبراهيم الحصيّن -رحمه الله- أمين سر الشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمه الله- وحامل ختمه في المدينة المنورة، وبعدما انتقل شخصيتنا إلى الرياض عام 1403هـ وكل يوم ترتفع مكانته عند الشيخ ابن باز، ويعلو قدره ويعظم شأنه، وقد أورد د. عبدالعزيز السدحان جملة من الخطابات التي أملاها الشيخ ابن باز، ففيها الثناء والإطراء لشخصيتنا، منها أنه قال: «من خيرة موظفي الجامعة الإسلامية»، وغيرها من العبارات الدالة على تزكية الشيخ ابن باز للحصين، لما عرفه من أخلاقه الطيبة بعد طول عشرة وملازمة، وقد رثاه المفتي ابن باز في كتابه بعنوان (تحفة الأخوان بتراجم بعض الأعيان) حيث قال فائدة تاريخية؛ في يوم الأحد الموافق 16 /3/ 1410هـ توفي أخونا الكريم الشيخ إبراهيم بن عبدالرحمن الحصين -رحمه الله- عن عُمر ناف على السبعين، بمرض لزمه مدة طويلة في الكبد، وقد اشتد به أوائل شهر ربيع الآخر من عام 1409هـ إلى أن توفي في اليوم المذكور.
كاتب ومستشار
وأكمل الشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمه الله-: كان إبراهيم الحصيّن -رحمه الله- ذا علم وفضل ونصح، وحرص على كل ما ينفع المسلمين، وغيرة للإسلام وأهله، وعناية بذوي الحاجة والشفاعة لهم، من الطلبة وغيرهم، لا سيما الغرباء، وقد لازمني كاتبًا ومستشارًا ومُعينًا على الخير من عام 1381هـ حين كنت نائبًا لرئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ثم رئيسًا مع عمله الرسمي في الجامعة، وبعد انتقالي إلى الرياض في 14 /10/ 1395هـ رئيسًا عاماً لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، انتقل معي كاتبًا ومستشارًا ومعينا على الخير، إلى أن توفي في هذا اليوم، فأسأل الله أن يرحمه رحمةً واسعةً، وأن يرفع درجته في المهديين، ويصلح ذريته، ويخلفه في عقبه، وأن يجمعنا به في دار الكرامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن يختم لنا بالخاتمة الحسنى، ويُعيذنا وجميع أخواننا وجميع المسلمين من مضلات الفتن، إنه ولي ذلك والقادر عليه. -انتهى كلامه-.
وهذا دليل قاطع على هذه الصلة العميقة الراسخة في الجذور بين شخصيتنا وبين الشيخ ابن باز، حيث كان يذكره في رسائله إلى العلماء وطلبة العلم، وأعتقد أن الحصين كان من أفضل وأحسن من عمل مع الشيخ ابن باز، ولا يضاهيه في ذلك أحد.
رفيق السفر
وبعض من عرف إبراهيم الحصيّن -رحمه الله- وخبر أخلاقه، وتعمق في شخصيته، واكتشف ما فيه من خصال حميدة ظهرت لهم، ذكروه بكل خير ومحمدة، فهذا المدرّس بالمسجد النبوي الشيخ عبدالمحسن العباد يقول: عرفت الشيخ إبراهيم بن عبدالرحمن الحصيّن عام 1381هـ عند افتتاح الجامعة الإسلامية بالمدينة، فقد وصل إليها بصحبة شيخنا الشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمه الله- للعمل بالجامعة، وكان يعمل مديرًا للامتحانات، وكان ملازماً للشيخ عبدالعزيز، يعمل معه يومياً من بعد صلاة الفجر إلى قبيل وقت ذهابه إلى الجامعة، ويكلّفه في بعض شؤونه الخاصة المتعلقة بالمساعدات، ويرافقه في السيارة إلى المسجد وغيره غالباً، يقرأ عليه شيئًا من الرسائل التي توجه إليه، وكذا في بعض الكتب، ويرافقه في أسفاره، واستمر في ملازمته حتى توفاه الله -رحمه الله-.
توزيع الكتب
وتحدث الشيخ عبدالله الجبرين عنه قائلاً: تعرفت على الشيخ إبراهيم بن عبدالرحمن الحصيّن -رحمه الله- بعد أن التزم خدمة الشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمهما الله-، وقد عرفت منه شدّة الملازمة للشيخ سفرًا وحضرًا، وتأثره بسماحة الشيخ في الأخلاق والآداب، وتزوّده من العلم النافع، والاقتداء بالشيخ في أعماله؛ فكان يواظب على صلاة النوافل والرواتب اقتداء بسماحة الشيخ، كذلك كان يقرأ عليه الكتب المفيدة إمّا للتصحيح وإمّا للاستفادة، حتى كان يقرأ عليه في السيارة إذا تنقل من مكان إلى مكان، وأكمل الشيخ الجبرين: أول ما تعرفت على إبراهيم الحصين -رحمه الله- في حدود ثمان وسبعين، ولما انتقل الشيخ ابن باز من المدينة انتقل معه، ولم أكن أحظى بمجالسه في تلك الحقبة، لكن إذا رجع الشيخ في أوقات الإجازة فإنه يلازمه، وهكذا أيضًا في مواسم الحج نحظى بمقابلته، وكان يحرص على توزيع الكتب التي من تأليف الشيخ ابن باز، ككتاب (التبيان والإيضاح لمناسك الحج)، يوزع منه كميات كبيرة على الحجاج، ويوزّع غيره من مؤلفات سماحة الشيخ في كل موسم.
لا يضرب
وذكر عمر بن سليمان الحصيّن -قريب وأحد تلامذة إبراهيم الحصيّن في مدرسة شقراء- ذكرياته معه قائلاً: كان أبو محمد متميزاً في شخصيته وتعامله وتعليمه، وقد درست عليه الفقه والتوحيد في مدرسة شقراء، وكان فريداً في تدریسه، كان يُعلمنا ويطبق الدرس عملياً، وما أزال أذكره وهو يُدرسنا صفة وضوء النبي (ص) ويطبق ذلك عملياً بالتراب؛ لأن الماء كان عزيزاً في ذلك الوقت، وقد درسنا كتاب (آداب المشي إلى الصلاة) لشيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب، لم يكن رحمه الله يضرب، وإنما كان إذا أراد أن يُعاقب يستخدم القبض، وما ذلك منه إلا لأنّ للضرب مخاطر يخشى أن يكون لها نتائج وآثار جانبية، كان الشيخ إبراهيم باراً واصلاً حميماً، وما أزال أذكر ملازمته لوالده العم عبدالرحمن -رحمه الله- وبره به، وكان براً يعلو عن الوصف، ثم قدّر الله أن اجتمع بالشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمه الله-، ومن المناسب ذكره هنا أن الشيخ إبراهيم لم يكن مع الشيخ عبدالعزيز بن باز لأجل أمور مادية أو أغراض دنيوية، بل كان يريد من ذلك ما عند الله، وكان لا يُفرّط في عصر الجمعة مهما كان السبب، بل إنه كان يقول للشيخ عبدالعزيز بن باز: عصر الجمعة لي، وكان يجلس في المسجد النبوي، كان للشيخ إبراهيم أسلوبه المتميز في التربية، ومن ذلك كنا إذا صلينا العشاء في مسجد شقراء، كنت أصلي ركعتين وأستند إلى السارية، فقال لي: «لماذا لا تتبع هاتين الركعتين بركعة فيكون وترا؟».
مصالح المسلمين
وقال الشيخ عبدالله بن محمد البصيري: كان عمل إبراهيم الحصيّن -رحمه الله- النظر في مصالح المسلمين والسعي فيما يصلح دينهم ودنياهم، فهذا مشروع جامعة إسلامية، وهذا معهد إسلامي، وهذه مدرسة تحفيظ قرآن، وهذه جمعية خيرية، وهذا مركز دعوة، وهذا مشروع تعمير مسجد، وهذا حضور مؤتمرات إسلامية، بالإضافة إلى مشاريع خيرية كثيرة كان الشيخ إبراهيم يشارك في كل ذلك قولاً وعملاً، فكان نعم الوزير ونعم المشير ونعم الظهير والنصير، استمر في العمل مع الشيخ ابن باز، وكان يمضي معظم وقته معه.
وأصيب إبراهيم الحصيّن بمرض أقعده عن العمل لما يقارب عامين -تقريباً-، وكان يتعاطى العلاج، وقد مكث في المدينة المنورة التي هي مستقر أسرته ونصح بالعلاج خارج المملكة ورفض وامتنع، وفي تاريخ يوم الأحد 16 /3/ 1410هـ فاضت روحه، وصلى عليه بعد صلاة المغرب في المسجد النبوي ودفن في البقيع وكانت جنازته مشهودة، ودفن بجوار والده الذي توفي عام 1386هـ.
في الختام أشكر طيب الخلق والنفس إسماعيل بن إبراهيم الحصيّن على تواصله معي وتزويدي ببعض الوثائق والصور.
صورة تجمع إبراهيم آل الشيخ وإبراهيم الحصيّن وعبدالعزيز بن باز وصالح اللحيدان
الشيخ ابن باز في المجمع الفقهي الإسلامي ويظهر خلفه الحصيّن
خطاب تعيين إبراهيم الحصيّن بالمدرسة السعودية بشقراء
صالح الحصيّن شقيق إبراهيم الحصيّن
إبراهيم الحصيّن دَرّس في المدرسة السعودية بشقراء مدة من الزمن
إعداد- صلاح الزامل
جدة 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.