أصبح نظام «دلتا» أحد الركائز الأساسية التي تعتمد عليها أوكرانيا في مواجهة روسيا، بعدما تطور من مشروع برمجي متواضع انطلق عام 2015 إلى بنية عسكرية متكاملة تربط بين مختلف صنوف القوات المسلحة وأجهزة الاستخبارات ووحدات الطائرات المسيّرة، ضمن شبكة معلومات موحدة، وفق ما أظهر تحقيق لصحيفة «لوموند» الفرنسية.
نظرة عامة على نظام دلتا
يقوم النظام بجمع ودمج كميات هائلة من البيانات الواردة من الجبهة التي تمتد لأكثر من ألف كيلومتر، إضافة إلى مناطق عسكرية واسعة تحيط بأوكرانيا. وتُظهر هذه المعلومات عبر خرائط تفاعلية وشاشات تبث لقطات حية من الطائرات المُسيّرة وأجهزة الاستشعار المتنوعة، ما يوفّر للقادة والمقاتلين رؤية شبه فورية لساحة المعركة.
ويشير عسكريون أوكرانيون إلى أن «دلتا» غيّر أسلوب القتال بشكل جذري؛ إذ باتت الوحدات المختلفة تشارك نفس المعلومات في الوقت الحقيقي، ما سهّل التنسيق وسدّ الثغرات التي كانت القوات الروسية تستغلها لاختراق الخطوط الأوكرانية.
نشر حساب دفاع أوكرانيا في 14 مايو 2026 تغريدة تحتوي على تعليق لوزير جيش الولايات المتحدة دانيال ديسكول بشأن نظام دلتا، مع صورة ورابط مختصر.
القدرات التقنية والتكامل
يصف مطورو النظام «دلتا» بأنه يشبه منصة «غوغل وورك سبيس» مخصصة للعمليات العسكرية؛ نظراً لقدرته على دمج dozens من البرامج المتخصصة ضمن بيئة واحدة. تشمل هذه البرامج حساب مسارات المدفعية، ودمج مقاطع الفيديو المباشرة، ورصد المقذوفات المعادية، واكتشاف الأهداف باستخدام الذكاء الاصطناعي، وتوزيع المهام بين الوحدات.
ويؤكد المستخدمون أن إحدى نقاط القوة الرئيسية تكمن في سرعة «التغذية الراجعة» من الميدان؛ فالعسكريون قادرون على إرسال ملاحظات أو اقتراحات إلى فرق التطوير على مدار الساعة، مما يسمح بإدخال تعديلات وتحسينات مستمرة وفق المتطلبات العملياتية الفعلية.
كما فتحت أوكرانيا جزءاً من البيانات التي يجمعها النظام أمام شركات تصنيع الأسلحة والطائرات المسيّرة في الدول الحليفة، ما يتيح اختبار تقنيات جديدة وتطويرها استناداً إلى خبرات قتالية حقيقية، لا سيما في مجال الاستهداف بالذكاء الاصطناعي.
التطور والتوسع والسحابة
تعود جذور المشروع إلى السنوات الأولى للحرب في دونباس بشرق أوكرانيا، بعد عام 2014، عندما كانت القوات الأوكرانية تواجه ضعفاً في التنسيق واعتماداً على الخرائط الورقية، بينما كان المتطوعون الذين يشغلون الطائرات المسيّرة يعانون صعوبة في إيصال المعلومات إلى القيادة العسكرية بالسرعة المطلوبة.
ومع تطور النظام تدريجياً، توسّعت فرق التطوير من نحو عشرين مطوراً قبل عام 2022 إلى ما لا يقل عن خمسمائة شخص في الوقت الحالي، بينما ارتفع عدد المستخدمين إلى حوالي ربع مليون.
وعقب الغزو الروسي الواسع لأوكرانيا في عام 2022، صدر أمر بنشر «دلتا» في جميع الألوية الأوكرانية.
واتخذ المطورون قراراً غير تقليدي بنقل المنظومة إلى الحوسبة السحابية؛ أي تشغيلها وتخزين بياناتها عبر مراكز بيانات متصلة بالإنترنت خارج البلاد، بدلاً من الاعتماد على مراكز بيانات عسكرية محلية، والاعتماد على مراكز بيانات تجارية خارج البلاد؛ بهدف زيادة المرونة وحماية النظام من الهجمات الروسية على البنية التحتية وشبكات الكهرباء.
ويرى المسؤولون عن المشروع أن هذا الخيار منح أوكرانيا قدرة أكبر على الابتكار السريع والتعامل مع التدفق المتزايد للبيانات، لدرجة أن حلف شمال الأطلسي (ناتو) عدّل عقيدته التقنية عام 2024 ليتبنى نهجاً مشابهاً يعتمد على الحوسبة السحابية.
وبذلك أصبح «دلتا» أحد أبرز عناصر التفوق التكنولوجي الأوكراني، وأداةً أساسية في تحويل البيانات الآنية إلى قرارات قتالية سريعة على أرض المعركة.





